خبراء: الولايات المتحدة تنقل المواجهة مع الجماعات المرتبطة بإيران من الاغتيالات إلى الملاحقات القضائية الدولية
بغداد – المنشر الإخبارى
اعتقال مفاجئ يهز المشهد الأمني العراقي
أثار اعتقال القيادي في ميليشيا كتائب حزب الله، محمد باقر السعدي، في تركيا ثم نقله إلى الولايات المتحدة، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والأمنية، وسط تساؤلات حول طبيعة العملية وتوقيتها وأهدافها الاستراتيجية.
وبحسب مصادر أمريكية، فإن العملية نُفذت بتنسيق استخباراتي دقيق بين واشنطن وأنقرة، واستغرقت أسابيع من المراقبة والمتابعة قبل تنفيذ الاعتقال، في خطوة وُصفت بأنها من أكثر العمليات حساسية ضد شخصيات مرتبطة بالفصائل المسلحة في العراق خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي هذا التطور في وقت حساس يشهد فيه العراق تشكيل حكومة جديدة برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي، ما جعل توقيت العملية محل تحليل واسع، خاصة فيما يتعلق برسائلها السياسية إلى بغداد وطبيعة العلاقة المستقبلية بين الطرفين.
اتهامات أمريكية ثقيلة وشبكات ممتدة عبر قارات
وفقاً لبيانات وزارة العدل الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، يواجه السعدي اتهامات تتعلق بالضلوع أو التخطيط لما لا يقل عن 18 عملية استهدفت مصالح أمريكية ويهودية في أوروبا، إلى جانب محاولات لشن هجمات داخل الولايات المتحدة وكندا.
وتشير الاتهامات إلى أن السعدي كان يعمل ضمن شبكة واسعة مرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني، في إطار ما تصفه واشنطن بـ”الإرهاب العابر للحدود”، وهي صيغة قانونية تستخدمها الولايات المتحدة لتوسيع نطاق الملاحقات الدولية ضد القيادات المرتبطة بالفصائل المسلحة.
كما تتضمن الاتهامات محاولات استهداف منشآت مدنية ودينية، من بينها محاولة مزعومة لاستهداف كنيس يهودي في نيويورك، وهو ما تعتبره السلطات الأمريكية من أخطر الملفات المرتبطة بالقضية.
توقيت سياسي حساس ورسائل إلى بغداد
يرى مراقبون أن توقيت اعتقال السعدي، الذي جاء بعد يوم واحد فقط من منح البرلمان العراقي الثقة للحكومة الجديدة، يحمل رسائل سياسية مباشرة إلى بغداد، تتعلق بمستقبل التعامل مع الفصائل المسلحة ونفوذها داخل الدولة.
ويعتبر هذا التطور مؤشراً على أن واشنطن تسعى إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك مع هذه الجماعات، ليس فقط عسكرياً، بل أيضاً قانونياً ودبلوماسياً، عبر الضغط على الحكومات الحليفة للتعاون في ملفات الاعتقال والتسليم والملاحقة الدولية.
ويرى محللون أن الولايات المتحدة تحاول وضع الحكومة العراقية أمام اختبار صعب يتعلق بمدى قدرتها على ضبط نشاط الفصائل المسلحة، خصوصاً تلك التي تتهمها واشنطن بأنها تتحرك خارج إطار الدولة.
تحول في الاستراتيجية الأمريكية: من القصف إلى القضاء
يشير خبراء أمنيون إلى أن اعتقال السعدي يعكس تحولاً نوعياً في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، حيث تنتقل واشنطن من سياسة الضربات الجوية والاغتيالات المباشرة إلى استراتيجية “الملاحقات القضائية الدولية”.
وكانت الولايات المتحدة قد اعتمدت في السنوات الماضية على عمليات عسكرية نوعية، أبرزها اغتيال نائب رئيس هيئة “الحشد الشعبي” السابق أبو مهدي المهندس وقائد قاسم سليماني مطلع عام 2020، إلا أن هذه السياسة واجهت انتقادات دولية ودبلوماسية واسعة.
أما اليوم، فتسعى الإدارة الأمريكية إلى بناء ملفات قانونية طويلة الأمد ضد القيادات، تسمح بملاحقتهم عبر الإنتربول والمحاكم الفيدرالية، بما يضمن استدامة الضغط دون الحاجة إلى عمليات عسكرية مباشرة.
تفاصيل العملية: تنسيق استخباراتي متعدد الأطراف
بحسب مصادر أمنية غربية، فإن عملية الاعتقال جرت في تركيا بعد متابعة استمرت لفترة طويلة لتحركات السعدي بين العراق وسوريا ولبنان وتركيا.
وتشير المعلومات إلى أن التنسيق شمل أجهزة استخبارات أمريكية وتركية، مع مشاركة وحدات متخصصة في تتبع الاتصالات والحركة المالية، ما سمح بتحديد موقعه بدقة وتنفيذ الاعتقال دون أي اشتباك مباشر.
كما تؤكد مصادر مطلعة أن السعدي نُقل لاحقاً إلى الولايات المتحدة تحت إجراءات أمنية مشددة، حيث يخضع حالياً لتحقيقات موسعة حول شبكة علاقاته وتمويلاته وتحركاته الدولية.
بغداد بين الصمت والضغوط
حتى الآن، لم تصدر الحكومة العراقية أي بيان رسمي حول اعتقال السعدي، وهو ما يراه مراقبون مؤشراً على حساسية الملف وتعقيداته السياسية والأمنية.
ويعتقد محللون أن بغداد قد تكون في موقف حرج، إذ تسعى للحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن من جهة، وتجنب صدام مباشر مع الفصائل المسلحة من جهة أخرى.
كما أن أي اعتراف رسمي أو تعاون مباشر في هذا الملف قد يفتح الباب أمام تداعيات داخلية، خاصة في ظل النفوذ القوي الذي تتمتع به بعض الفصائل داخل المؤسسات الأمنية والسياسية.
شبكات الحركة والتمويل.. الهدف الأخطر لواشنطن
يرى خبراء أن الخطورة الأكبر في هذه القضية لا تكمن في الاتهامات الجنائية فقط، بل في المعلومات التي قد تكشفها التحقيقات حول شبكات التمويل والحركة اللوجستية للفصائل المسلحة.
وتسعى واشنطن، بحسب محللين، إلى تفكيك هذه الشبكات عبر تتبع مصادر التمويل، وطرق تحويل الأموال، ومسارات السفر، والعلاقات الخارجية التي تربط هذه الجماعات بعدة دول في المنطقة.
كما يشير مراقبون إلى أن هذا النهج قد يكون أكثر تأثيراً من العمليات العسكرية، لأنه يستهدف البنية التحتية التنظيمية والمالية للفصائل وليس فقط قياداتها.
تأثيرات إقليمية واحتمالات التصعيد
يحذر محللون من أن هذه التطورات قد تؤدي إلى تصعيد جديد في العلاقات بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة في العراق، خاصة إذا تبين أن واشنطن ستواصل تنفيذ عمليات اعتقال مشابهة في دول أخرى.
كما أن العلاقة المعقدة بين هذه الفصائل وإيران تضيف بعداً إقليمياً للصراع، ما يجعل أي تحرك أمريكي جزءاً من معادلة أوسع تشمل طهران وواشنطن وساحات متعددة في الشرق الأوسط.
يمثل اعتقال محمد باقر السعدي نقطة تحول محتملة في طبيعة المواجهة بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة في العراق، حيث يبدو أن واشنطن بدأت مرحلة جديدة تقوم على “تجفيف الشبكات” بدلاً من “استهداف الأشخاص فقط”.
وفي ظل هذا التحول، يبقى المشهد مفتوحاً على مزيد من التصعيد السياسي والأمني والقانوني، وسط صمت عراقي حذر، وترقب إقليمي واسع لمآلات هذه الاستراتيجية الأمريكية الجديدة.










