زيارة وزير العدل الفرنسي للجزائر تعيد إحياء ملف الفساد واسترداد الأصول وتفتح الباب أمام تعاون قضائي جديد بين البلدين بعد سنوات من الجمود
باريس – المنشر الإخبارى
تشهد العلاقات الجزائرية–الفرنسية تطوراً لافتاً بعد سنوات من التوتر والجمود، مع تحرك باريس نحو إعادة فتح ملف الأموال المنهوبة المرتبطة بمسؤولين جزائريين سابقين، في خطوة وُصفت بأنها تحول نوعي في نهج التعاون القضائي بين البلدين.
ووفق مصدر سياسي جزائري مطلع، فإن زيارة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى العاصمة الجزائرية، برفقة وفد من القضاة المتخصصين في قضايا الجرائم المالية، تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية، خصوصاً في ما يتعلق بملفات الفساد واسترداد الأصول المالية المهربة إلى الخارج.
وأوضح المصدر أن المباحثات التي جرت بين الجانبين ركزت بشكل أساسي على تعزيز التعاون في مكافحة الجرائم الاقتصادية، وملاحقة العائدات غير المشروعة، إلى جانب بحث آليات عملية لاستئناف تبادل الملفات القضائية بين الجزائر وفرنسا بعد سنوات من التعطل أو البطء في الاستجابة للطلبات الجزائرية.
ملف الأموال المنهوبة يعود إلى الواجهة
يأتي هذا التطور في سياق ملف شديد الحساسية ظل لسنوات طويلة أحد أبرز نقاط التوتر بين باريس والجزائر، خاصة بعد سقوط الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة عام 2019، وما تبعه من فتح تحقيقات موسعة داخل الجزائر بشأن أموال وأصول يُعتقد أنها حُولت إلى الخارج عبر شبكات فساد مرتبطة بمسؤولين سابقين ورجال أعمال نافذين.
وتؤكد السلطات الجزائرية أنها أرسلت عشرات طلبات الإنابة القضائية إلى فرنسا ودول أوروبية أخرى، تتعلق بتجميد حسابات مصرفية وممتلكات وعقارات يشتبه في حصولها بطرق غير قانونية، إلا أن هذه الطلبات لم تلق استجابة كافية خلال السنوات الماضية، بحسب ما أعلنته الحكومة الجزائرية في أكثر من مناسبة.
في المقابل، ترى الجزائر أن بعض الدول الأوروبية أبدت تعاوناً أكبر نسبياً، مثل سويسرا وإسبانيا، حيث تم تسجيل تقدم في عدد من القضايا المتعلقة باسترجاع أصول مالية وعقارية تابعة لشخصيات جزائرية مدانة في قضايا فساد.
بوادر انفراجة دبلوماسية وقضائية
وتأتي الزيارة الفرنسية الأخيرة في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين انفراجة تدريجية، بعد سلسلة من الخطوات السياسية والدبلوماسية التي ساهمت في إعادة فتح قنوات الحوار، من بينها عودة السفراء، وتكثيف الزيارات المتبادلة بين المسؤولين، إضافة إلى مبادرات تهدف إلى إعادة بناء الثقة بين باريس والجزائر.
كما شملت التطورات الأخيرة تحركات فرنسية على مستوى الملفات التاريخية والحساسة، حيث زارت وزيرة الجيوش الفرنسية الجزائر في إطار مبادرة رمزية هدفت إلى إعادة فتح نقاش تاريخي حول مرحلة الاستعمار، وهو ما اعتُبر خطوة إضافية نحو تخفيف التوتر السياسي.
وفي هذا السياق، تم الاتفاق بين الجانبين على وضع خارطة طريق لتعزيز التعاون في مجالات الأمن والدفاع ومكافحة الجريمة المنظمة، بما في ذلك الجرائم المالية العابرة للحدود.
تعاون قضائي جديد أم بداية مرحلة اختبار؟
ورغم الأجواء الإيجابية النسبية، يرى مراقبون أن ملف الأموال المنهوبة سيظل معقداً وشائكاً، نظراً لتشابك المصالح القانونية والسياسية والاقتصادية، إضافة إلى اختلاف الرؤى حول آليات استرداد الأصول وشروطها.
كما أن بعض القضايا العالقة، ومنها طلبات تسليم شخصيات جزائرية مدانة في قضايا فساد، لا تزال تمثل نقطة خلاف بين البلدين، بعد أن رفضت المحاكم الفرنسية في وقت سابق تسليم عدد من المسؤولين لأسباب قانونية وإنسانية.
ويرى محللون أن التحرك الفرنسي الأخير قد يكون مؤشراً على رغبة باريس في إعادة ضبط العلاقة مع الجزائر على أساس براغماتي، يقوم على التعاون القضائي والأمني، خاصة في ظل التحديات الإقليمية المرتبطة بالهجرة غير النظامية ومكافحة شبكات الجريمة المنظمة.
في المقابل، تأمل الجزائر أن يؤدي هذا التقارب إلى نتائج ملموسة في ملف استرجاع الأموال والأصول المنهوبة، باعتباره أحد الملفات ذات الأولوية الوطنية، وواحداً من أبرز مطالبها منذ سنوات.
مرحلة جديدة من العلاقات
وبينما لا تزال الإجراءات القانونية في مثل هذه الملفات طويلة ومعقدة، فإن زيارة وزير العدل الفرنسي إلى الجزائر تمثل، بحسب مراقبين، إشارة سياسية مهمة تعكس استعداداً متبادلاً لفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.
ومع استمرار الحوار القضائي، يبقى السؤال المطروح حول ما إذا كان هذا التقارب سيترجم فعلياً إلى خطوات ملموسة في ملف الأموال المنهوبة، أم أنه سيظل ضمن إطار التفاهمات السياسية العامة دون نتائج سريعة على أرض الواقع.








