وزير العدل الفرنسي يلتقي الرئيس تبون في الجزائر لبحث إصلاح العلاقات وتوسيع التعاون في مكافحة الجرائم المالية واسترداد الأموال المنهوبة
باريس – المنشر الإخبارى
أعلن وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان، اليوم الاثنين، أنه أجرى محادثات مطوّلة مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في العاصمة الجزائرية، تناولت سبل إعادة بناء العلاقات الثنائية بين البلدين، في ظل مرحلة تهدئة نسبية بعد أزمة دبلوماسية استمرت نحو عامين وأثرت على مسار التعاون السياسي والأمني بين باريس والجزائر.
وقال دارمانان في تصريحات نقلتها وكالة “فرانس برس”، إن اللقاء مع الرئيس الجزائري ركّز على “العمل الذي يجب مواصلته لإعادة بناء الثقة بين بلدين يحترم كل منهما الآخر، فرنسا والجزائر”، مشيراً إلى أنه خاض “نقاشاً طويلاً جداً” مع تبون حول مستقبل العلاقات الثنائية وسبل تطويرها على أسس جديدة أكثر استقراراً وتوازناً.
وتأتي هذه الزيارة في وقت تسعى فيه باريس والجزائر إلى تجاوز تراكمات سنوات من التوتر السياسي والخلافات التاريخية، التي ألقت بظلالها على ملفات التعاون في مجالات الهجرة والأمن والاقتصاد، فضلاً عن ملفات حساسة تتعلق بالذاكرة التاريخية بين البلدين.
وفي السياق ذاته، كشف مصدر سياسي جزائري مطلع لـ”إرم نيوز” أن زيارة وزير العدل الفرنسي إلى الجزائر، والتي رافقه فيها وفد من القضاة المتخصصين في الجرائم المالية، تمثل “مرحلة جديدة” في مسار العلاقات الثنائية، خصوصاً في ما يتعلق بإعادة تفعيل قنوات التعاون القضائي بين الجانبين.
وأوضح المصدر أن المحادثات التي سبقت لقاء الرئيس تبون ركزت بشكل أساسي على قضايا مكافحة الجرائم الاقتصادية، وتعزيز آليات تتبع الأموال غير المشروعة، إلى جانب التعاون في ملفات استرداد الأصول ومكافحة الفساد العابر للحدود، وهو أحد أبرز الملفات العالقة بين البلدين خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن الجانبين يبحثان حالياً إمكانية فتح “فصل جديد” من التعاون القضائي، يقوم على استئناف تبادل الخبرات بين القضاة الجزائريين والفرنسيين، وتوسيع قنوات التنسيق في قضايا غسل الأموال واختلاس الأموال العامة، إضافة إلى دعم التعاون التقني بين الأجهزة القضائية المختصة في البلدين.
وأشار المصدر إلى أن هذا التوجه يعكس رغبة سياسية متبادلة في تجاوز حالة الجمود السابقة، وفتح مسار جديد قائم على المصالح المشتركة، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة لمكافحة الجرائم المالية العابرة للحدود، والتي أصبحت تشكل تحدياً مشتركاً للدولتين.
وتشهد العلاقات بين الجزائر وفرنسا تاريخاً معقداً، يتداخل فيه البعد الاستعماري مع ملفات التعاون المعاصرة، حيث تتراوح العلاقات بين فترات تقارب دبلوماسي وأخرى من التوتر الحاد، كان آخرها الأزمة التي امتدت لعامين وأثرت على مستوى الزيارات الرسمية والتنسيق الأمني.
غير أن المؤشرات الأخيرة تشير إلى وجود رغبة سياسية لدى الطرفين لإعادة ترميم العلاقات، خصوصاً في ظل التحديات الإقليمية والدولية المتزايدة، والتي تتطلب قدراً أكبر من التنسيق في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والجرائم المالية.
ويرى مراقبون أن ملف التعاون القضائي يمثل أحد أكثر المسارات قابلية للتقدم في المرحلة الحالية، نظراً لكونه أقل حساسية مقارنة بالملفات السياسية الأخرى، فضلاً عن ارتباطه المباشر بقضايا الفساد واسترداد الأموال التي تحظى بأولوية لدى الطرفين.
كما تشير المعطيات إلى أن باريس تسعى إلى تعزيز تعاونها القضائي مع الجزائر في إطار أوسع يشمل أيضاً ملفات مالية واقتصادية، في حين تسعى الجزائر إلى الاستفادة من الخبرة الفرنسية في التحقيقات المالية وتطوير أنظمتها القضائية.
وفي هذا السياق، تأتي زيارة دارمانان كجزء من حراك دبلوماسي متزايد بين البلدين، يهدف إلى إعادة ضبط العلاقات على أسس عملية، بعيداً عن التوترات السياسية السابقة، مع التركيز على الملفات التي تحقق مكاسب متبادلة.
ومن المتوقع أن تتواصل اللقاءات الثنائية خلال الفترة المقبلة، في إطار مساعٍ مشتركة لتفعيل آليات التعاون القضائي، واستئناف برامج تبادل القضاة والخبراء، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الشراكة بين باريس والجزائر.
ويؤكد محللون أن نجاح هذه الجهود سيعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز الخلافات التاريخية وبناء ثقة مؤسساتية مستدامة، تسمح بتحويل التعاون القضائي إلى رافعة أساسية للعلاقات الثنائية في المرحلة المقبلة.
وفي ظل هذا الحراك، يبدو أن العلاقات الجزائرية الفرنسية تتجه نحو إعادة صياغة شاملة، تبدأ من الملفات التقنية والقضائية، وقد تمتد لاحقاً إلى مجالات أوسع تشمل الاقتصاد والأمن والتعاون الإقليمي، بما يعكس رغبة مشتركة في تجاوز الماضي وبناء مستقبل أكثر استقراراً.










