شهدت أسواق التجزئة الهندية قفزة جديدة ومفاجئة في أسعار المحروقات، حيث رفعت الحكومة أسعار البنزين والديزل بنحو 0.9 روبية (ما يعادل 0.0093 دولار) للتر الواحد. وتأتي هذه الخطوة، وهي الثانية من نوعها في غضون أسبوع واحد فقط، في وقت تسعى فيه الحكومة الهندية بشكل عاجل إلى تعويض الخسائر المالية المتراكمة والناجمة عن الارتفاع الحاد في أسعار النفط الخام بالأسواق العالمية.
بالتزامن مع هذا القرار، تترقب العاصمة دلهي والمناطق المحيطة بها موجة من الشلل المروري والخدمي، بعد أن أعلن سائقو سيارات الأجرة ومركبات “التوك توك” عن تنظيم إضراب شامل عن العمل لمدة ثلاثة أيام متتالية ابتداءً من 21 مايو/أيار الجاري، للمطالبة بزيادة عاجلة في أجرة الركوب لمواجهة الغلاء.
تفاصيل الزيادة الجديدة وتصاعد أسعار التجزئة
وفقاً لما أفاد به تجار ومتعاملون في سوق الطاقة الهندي، فقد شهدت أسعار الوقود في جميع أنحاء البلاد ارتفاعاً حاداً ومباشراً بمعدل 90 بيسة للتر الواحد. وأوضحت البيانات الميدانية من محطات الوقود التغيرات التالية في الأسعار:
البنزين: ارتفع سعر اللتر الواحد ليصل إلى 98.64 روبية مقارنة بـ 97.77 روبية في السابق.
الديزل: سجل سعر اللتر قفزة ليبلغ 91.58 روبية بعد أن كان مستقراً عند مستوى 90.67 روبية.
ويعد هذا الارتفاع هو الثاني في أقل من أسبوع؛ ففي وقت سابق، وتحديداً في 15 مايو/أيار، كانت الحكومة المركزية قد أقرت زيادة كبيرة بمقدار 3 روبيات للتر الواحد للبنزين والديزل في كافة الولايات، مما يعكس عمق الضغوط المالية التي تواجهها الموازنة العامة للبلاد.
حرب كلامية واتهامات سياسية متبادلة
لم تتوقف تداعيات هذا القرار عند الشق الاقتصادي، بل أشعلت فتيل مواجهة سياسية ساخنة. فقد هاجم حزب “المؤتمر الوطني لعموم الهند” غريمه حزب “بهاراتيا جاناتا” الحاكم، مدعياً أن الوعود البراقة التي قُطعت للمواطنين خلال الحملات الانتخابية الأخيرة يتم التراجع عنها ونكثها سريعاً في ولاية البنغال الغربية تحت مظلة الحكومة الجديدة.
وفي منشور لاذع عبر منصة “X” (تويتر سابقاً)، انتقد حزب المؤتمر قيادة “بهاراتيا جاناتا” في الولاية، متسائلاً بمرارة عن مصير تلك الوعود. وجاء في نص المنشور:
“يا للهول، أهو الانتقام؟! من السخف والتهاون أن يبدأ السيد سوفيندو أدهيكاري بالفعل في التراجع عن وعوده لشعب البنغال! أليس الوقت قد حان للتحرك ومحاسبة المسؤولين؟”
قطاع النقل ينتفض: إضراب شامل يشل العاصمة
في المقابل، تُرجم الغضب الشعبي إلى تحرك على الأرض؛ حيث أعلن سائقو المركبات التجارية وسيارات الأجرة في دلهي وضواحيها عن إضراب واسع يمتد من 21 إلى 23 مايو/أيار. ويطالب المضربون بمراجعة فورية وجذرية لتعرفة الركوب، محتجين على الارتفاع الجنوني لأسعار الوقود، وما وصفوه بـ”الاستغلال الاقتصادي البشع” من قبل شركات تجميع سيارات الأجرة عبر التطبيقات الذكية.
وبحسب رسالة رسمية قدمها “اتحاد تشالاك شاكتي” إلى نائب حاكم دلهي، ورئيس الوزراء، ووزير النقل، ومفوض الشرطة، فإن هذا الإضراب يأتي دعماً لاحتجاج وطني شامل أعلنه “المؤتمر الوطني للنقل البري لعموم الهند”.
وأشار الاتحاد في رسالته إلى أن أسعار سيارات الأجرة في العاصمة وضواحيها لم تشهد أي تعديل أو مراجعة منذ ما يقرب من 15 عاماً، على الرغم من القفزات الهائلة التي سجلتها أسعار الغاز الطبيعي المضغوط (CNG)، والبنزين، والديزل، فضلاً عن الارتفاع الكبير في تكاليف صيانة المركبات، ورسوم التأمين، وشهادات الصلاحية، ورخص التصاريح، ومتطلبات المعيشة اليومية.
معاناة السائقين والتعسف الرقمي لشركات التطبيقات
أكدت النقابة في مذكرتها الاحتجاجية أن السائقين يواجهون حالياً ضائقة مالية شديدة ويكافحون لتأمين لقمة العيش لأسرهم، وجاء في الرسالة:
“لا تزال أجرة سيارات الأجرة تُفرض بالأسعار القديمة البالية على الرغم من تفشي التضخم، الأمر الذي سحق معيشة السائقين وقدرتهم على الصمود.”
ولم تقتصر الشكوى على أسعار الوقود، بل وجه الاتحاد أصابع الاتهام مباشرة إلى الشركات المشغلة للتطبيقات الذكية مثل (Ola) و(Uber) و(Rapido)، متهماً إياها بالعمل التعسفي والاستغلال المالي الخطير للسائقين الذين باتوا الضحية الأضعف في هذه المنظومة.
وحذر الاتحاد في ختام رسالته من أنه إذا فشلت حكومة دلهي في الاستجابة الفورية وتعديل أسعار التذاكر، فإن الاحتجاج الحالي سيتصاعد ليتحول إلى حركة شعبية عارمة وشلل تام، مطالباً بعقد اجتماع عاجل مع المسؤولين لوضع سياسات تحمي السائقين وتمنع استغلالهم.
المأزق الجيوسياسي لثالث مستهلك للنفط عالمياً
تأتي هذه الأزمات المتلاحقة لتضع الهند – التي تصنف كثالث أكبر دولة مستوردة ومستهلكة للنفط في العالم – في موقف اقتصادي معقد للغاية. وتعتبر نيودلهي واحدة من آخر الاقتصادات العالمية الكبرى التي أُجبرت على رفع أسعار الوقود بالتجزئة، بعد فترة من المقاومة ومحاولة امتصاص الصدمات.
ويعود السبب الرئيسي لهذا التدهور الاقتصادي إلى الاضطرابات العنيفة التي لحقت بحركة الشحن البحري عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، إثر اندلاع الحرب الإقليمية التي بدأت بضربات وهجمات أمريكية إسرائيلية مكثفة على إيران، مما تسبب في قفزات غير مسبوقة بأسعار النفط العالمية، ووضع الأمن الغذائي وقطاع الطاقة في الهند على حافة الخطر.











