كشف تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” عن حملة رقمية واسعة استهدفت تحسين صورة السفير الإماراتي في الولايات المتحدة وإزالة محتوى إعلامي حساس من نتائج البحث
واشنطن – المنشر الإخباري
كشف تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الامريكية عن ما وصفه بأنه واحدة من أكثر عمليات إدارة السمعة الرقمية حساسية وإثارة للجدل، تتعلق بدور دولة الإمارات العربية المتحدة في تمويل حملة تجاوزت قيمتها 6 ملايين دولار داخل الولايات المتحدة، بهدف التأثير على ظهور محتوى إعلامي سلبي يتعلق بسفيرها في واشنطن يوسف العتيبة.
ويعد العتيبة، الذي يشغل منصب سفير الإمارات في الولايات المتحدة منذ عام 2008، واحدًا من أكثر الدبلوماسيين العرب نفوذًا في العاصمة الأميركية، حيث ارتبط اسمه بعلاقات سياسية واقتصادية واسعة مع دوائر القرار في واشنطن، ما جعله شخصية محورية في ملفات إقليمية ودولية متعددة.
وبحسب التقرير، فإن الإمارات لجأت إلى شركة أميركية متخصصة في إدارة السمعة الرقمية تُدعى “Terakeet”، وهي شركة مقرها ولاية نيويورك، من أجل تنفيذ خطة تهدف إلى إعادة تشكيل الصورة العامة للسفير الإماراتي، والتقليل من ظهور محتوى إعلامي سلبي كان قد تصدر نتائج البحث في محركات الإنترنت.
وأشار التقرير إلى أن هذه الخطوة بدأت بشكل رسمي في عام 2019، بعد أن تم تسجيل العقد ضمن قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة، وهو ما يمنح العملية طابعًا قانونيًا من حيث الشكل، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات واسعة حول طبيعة الأهداف والنتائج.
وتوضح الوثائق التي استند إليها التحقيق أن الشركة تم التعاقد معها ليس فقط لتعزيز صورة الإمارات على الإنترنت من خلال محتوى سياحي واقتصادي إيجابي، بل أيضًا لإعادة ترتيب نتائج البحث المتعلقة بالسفير يوسف العتيبة، بحيث يتم تقليل ظهور أي مواد إعلامية قد تُعتبر “ضارة” بسمعته أو صورته العامة.
وتعود جذور القضية إلى مقال نشره موقع “ذا إنترسبت” الأميركي عام 2017 تحت عنوان مثير للجدل، تناول ما وصفه بـ“الحياة المزدوجة لسفير الإمارات في واشنطن”، وهو المقال الذي ظل يظهر ضمن النتائج الأولى عند البحث عن اسم العتيبة على محركات البحث، ما اعتبرته الجهات المعنية ملفًا شديد الحساسية.
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن أربعة موظفين سابقين في شركة “Terakeet”، فإن العمل على هذا الملف لم يكن تقليديًا، بل تطلب استراتيجية رقمية معقدة تعتمد على ما يُعرف في مجال التسويق الرقمي بـ“تحسين نتائج محركات البحث”، أو ما يشبه إعادة هندسة المحتوى الظاهر للمستخدمين على الإنترنت.
وأفاد بعض الموظفين أن أحد مديري الحسابات المرتبطين بالمشروع انتقل للعيش والعمل في واشنطن لفترة طويلة، بهدف إدارة العمليات بشكل مباشر مع الأطراف المعنية، وضمان تنفيذ الاستراتيجية دون ترك آثار رقمية واضحة يمكن تتبعها بسهولة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن العملية لم تكن مجرد حملة علاقات عامة تقليدية، بل أقرب إلى مشروع طويل الأمد لإعادة صياغة الصورة الرقمية لشخصية دبلوماسية رفيعة المستوى، عبر أدوات حديثة تعتمد على التحكم في تدفق المعلومات على الإنترنت.
وفي الوقت الذي لم يصدر فيه أي تعليق رسمي من الحكومة الإماراتية أو من السفير يوسف العتيبة بشأن ما ورد في التقرير، أثارت القضية نقاشًا واسعًا في الأوساط الإعلامية والسياسية في واشنطن حول حدود “تسويق السمعة السياسية”، والفارق بين العلاقات العامة المشروعة ومحاولات التأثير غير المباشر على الرأي العام.
ويرى محللون أن هذه الواقعة، في حال ثبوت جميع تفاصيلها، تعكس جانبًا متناميًا من “الحروب الرقمية الناعمة” التي تستخدم فيها الدول أدوات الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا لإعادة تشكيل صورتها وصورة مسؤوليها على الساحة الدولية.
كما يلفت التقرير إلى أن استخدام شركات متخصصة في تحسين نتائج البحث لم يعد أمرًا استثنائيًا في العلاقات الدولية، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول الشفافية، وحدود تأثير المال في تشكيل المحتوى الإعلامي المتاح للجمهور.
ويؤكد مراقبون أن القضية قد تعيد فتح النقاش في الولايات المتحدة حول تنظيم عمل شركات إدارة السمعة الرقمية، خاصة عندما تتداخل مع ملفات سياسية ودبلوماسية حساسة، أو مع شخصيات لها تأثير مباشر في صنع القرار.
ومع استمرار الجدل الذي أثاره التقرير، تبقى الأسئلة مفتوحة حول مدى اتساع نطاق هذه الممارسات، وحدود استخدامها في إدارة الصورة العامة للدول والمسؤولين، في عصر أصبحت فيه نتائج البحث على الإنترنت جزءًا أساسيًا من القوة الناعمة والنفوذ السياسي.










