طهران تربط أي تقدم في المفاوضات الجارية ببدء الإفراج التدريجي عن الأموال المجمدة وسط خلافات مستمرة حول الضمانات والعقوبات
طهران – المنشر الإخبارى
تُعد قضية الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، إذ ارتبطت عبر سنوات طويلة من العقوبات والتوترات السياسية، لتصبح اليوم عنصرًا محوريًا في أي مفاوضات غير مباشرة بين الجانبين. ومع استمرار المحادثات التي تُجرى عبر وسطاء إقليميين ودوليين، يظل هذا الملف أحد أبرز نقاط الخلاف التي تعرقل التوصل إلى اتفاق نهائي، رغم وجود محاولات مستمرة لصياغة تفاهمات مرحلية.
خلفية الملف وتاريخ التجميد
تعود جذور أزمة الأصول الإيرانية المجمدة إلى سلسلة من العقوبات الاقتصادية والمالية التي بدأت الولايات المتحدة بفرضها على إيران منذ عقود، وتوسعت بشكل كبير بعد عام 2018 عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الموقع عام 2015.
قبل هذا الانسحاب، كان الاتفاق قد سمح بإعادة جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، مقابل التزام طهران بقيود على برنامجها النووي. إلا أن عودة العقوبات الأمريكية بشكل موسع أدت إلى إعادة تجميد معظم هذه الأصول، لتصبح مرة أخرى ورقة ضغط سياسية واقتصادية في يد واشنطن.
حجم الأصول وأماكن تركزها
تشير تقديرات متعددة إلى أن حجم الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج يتراوح بين 100 و120 مليار دولار، وهي تشمل أرصدة مالية ضخمة، واستثمارات، وأصولًا عقارية موزعة في عدة دول.
وتتركز النسبة الأكبر من هذه الأموال في دول آسيوية مثل الصين والهند، إضافة إلى أصول أخرى موزعة في أوروبا ودول مختلفة، بينما توجد نسبة أقل داخل النظام المالي الأمريكي.
ويعكس هذا التوزيع الطبيعة المعقدة للملف، حيث تتداخل فيه اعتبارات قانونية دولية، وعقوبات مالية، ونظم مصرفية متعددة، ما يجعل عملية الإفراج أو إعادة التوظيف عملية طويلة ومعقدة.
الموقف الإيراني.. ربط التفاوض بالإفراج المالي
من جانبها، ترى طهران أن أي تقدم في مسار المفاوضات الجارية مع واشنطن يجب أن يبدأ بخطوات ملموسة تتعلق بالإفراج عن جزء من هذه الأصول.
وتؤكد مصادر مطلعة أن إيران نقلت عبر وسطاء إقليميين ودوليين مطلبًا واضحًا يتمثل في ضرورة وضع آلية ضمن أي اتفاق محتمل، تضمن الإفراج التدريجي عن جزء من الأموال المجمدة خلال المرحلة الأولى من التفاهم.
كما تطالب طهران بأن يتم لاحقًا استكمال الإفراج عن باقي الأصول وفق جدول زمني واضح ومتدرج، معتبرة أن هذا الإجراء ضروري لبناء الثقة مع الجانب الأمريكي، خاصة في ظل تجارب سابقة ترى إيران أنها لم تلتزم فيها واشنطن بتعهداتها.
الموقف الأمريكي.. بين الضغوط والاشتراطات
في المقابل، تتعامل الولايات المتحدة مع ملف الأصول المجمدة باعتباره جزءًا لا يتجزأ من منظومة العقوبات الأوسع المفروضة على إيران.
وترى واشنطن أن أي تخفيف أو إفراج عن هذه الأموال يجب أن يكون مرتبطًا بتقدم ملموس في ملفات أخرى، مثل البرنامج النووي، والأنشطة الإقليمية، وسلوك إيران السياسي والعسكري في المنطقة.
كما تطرح الإدارة الأمريكية فكرة استخدام الأصول المجمدة كأداة تفاوضية لضمان التزام طهران بأي اتفاق محتمل، ما يجعل الملف أكثر تعقيدًا، ويحول دون الوصول إلى حلول سريعة أو مباشرة.
دور الوسطاء في تقريب وجهات النظر
تلعب دول إقليمية ودولية دورًا مهمًا في إدارة قنوات الاتصال غير المباشرة بين طهران وواشنطن، في محاولة لتقريب وجهات النظر حول هذا الملف المعقد.
وتشير تقارير إلى أن الوسطاء يعملون على صياغة مقترحات تتضمن مراحل تدريجية للإفراج عن الأموال، مقابل خطوات مقابلة من الجانب الإيراني في ملفات أخرى.
ورغم هذه الجهود، لا تزال الفجوة كبيرة بين الطرفين، خاصة فيما يتعلق بتحديد حجم الأموال التي يمكن الإفراج عنها في المرحلة الأولى، وطبيعة الضمانات المطلوبة لتنفيذ أي اتفاق.
البعد القانوني والمالي للملف
لا يقتصر ملف الأصول الإيرانية المجمدة على البعد السياسي فقط، بل يمتد إلى تعقيدات قانونية ومالية كبيرة.
فالأموال موزعة بين أنظمة مصرفية مختلفة، وتخضع لقوانين عقوبات دولية، وبعضها مرتبط بقضايا قضائية في محاكم دولية أو أمريكية.
هذا التعقيد يجعل عملية الإفراج عن هذه الأصول ليست مجرد قرار سياسي، بل عملية تتطلب ترتيبات قانونية دقيقة بين عدة أطراف، ما يزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سريعة.
تأثير الملف على مسار التفاوض
يُنظر إلى ملف الأصول المجمدة باعتباره أحد أبرز العوائق أمام الوصول إلى اتفاق نهائي بين طهران وواشنطن.
فبينما تعتبره إيران خطوة أساسية لبناء الثقة ورفع الضغط الاقتصادي، ترى الولايات المتحدة أنه ورقة ضغط يجب استخدامها بحذر شديد ضمن إطار تفاوضي أوسع.
هذا التباين في الرؤى يؤدي إلى إبطاء وتيرة التقدم في المحادثات، ويجعل أي اتفاق محتمل مرهونًا بحل هذا الملف أو التوصل إلى صيغة وسطية بشأنه.
الاتفاق النووي كمرجعية سابقة
يُعد الاتفاق النووي لعام 2015 نقطة مرجعية مهمة في هذا السياق، حيث سمح حينها بالإفراج عن جزء من الأموال المجمدة مقابل التزام إيران ببنود الاتفاق.
لكن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018 أعاد الأمور إلى نقطة الصفر، وأدى إلى تجميد معظم الأصول مرة أخرى، ما عزز انعدام الثقة بين الجانبين.
وتستخدم طهران هذا المثال للتأكيد على ضرورة وجود ضمانات أقوى في أي اتفاق مستقبلي، خاصة فيما يتعلق بالأموال والأصول المالية.
السيناريوهات المحتملة
في ظل استمرار الجمود، يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل هذا الملف:
- إفراج تدريجي مشروط: يتم فيه إطلاق جزء من الأموال مقابل خطوات إيرانية محددة.
- تجميد طويل الأمد: استمرار الوضع الحالي دون تغيير كبير.
- صفقة شاملة: تشمل الأصول المجمدة ضمن اتفاق سياسي أوسع.
- تصعيد جديد: في حال انهيار المفاوضات، قد يُستخدم الملف كورقة ضغط إضافية.
يبقى ملف الأصول الإيرانية المجمدة أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في العلاقات بين طهران وواشنطن، ليس فقط لقيمته المالية الكبيرة، ولكن لارتباطه المباشر بثقة مفقودة بين الطرفين.
ومع استمرار المفاوضات غير المباشرة دون نتائج حاسمة، يظل هذا الملف بمثابة “العقدة المركزية” التي قد تحدد مستقبل أي اتفاق محتمل، أو استمرار حالة الجمود والتصعيد في العلاقات بين الجانبين.










