أكثر من 100 ألف جندي أمريكي في أوروبا.. من ألمانيا إلى النرويج وإيطاليا وبولندا ضمن شبكة قواعد تمتد عبر الناتو
واشنطن – المنشر الإخبارى
تشهد القارة الأوروبية واحدة من أكثر شبكات الانتشار العسكري تعقيدًا في العالم، حيث تنتشر القوات الأمريكية في عشرات القواعد والمواقع العسكرية عبر دول متعددة، في إطار تحالف حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية ليكون حجر الأساس في منظومة الردع الغربي.
ورغم أن هذا الوجود بدأ منذ عام 1945 كجزء من ترتيبات ما بعد الحرب وهزيمة ألمانيا النازية، فإن تحوله إلى بنية دائمة ومتشابكة جعل منه أحد أعمدة الأمن الأوروبي حتى اليوم، مع استمرار تزايد أهميته بعد اندلاع الأزمات مع روسيا منذ عام 2014.
فأين تنتشر القوات الأمريكية في أوروبا؟ ولماذا لا تزال بهذا الحجم حتى الآن؟ وما الدور الحقيقي لهذه القواعد في ميزان القوى العالمي؟
ألمانيا.. القلب العسكري الأمريكي في أوروبا؟
تتصدر ألمانيا قائمة الدول الأوروبية التي تضم أكبر عدد من القوات الأمريكية، حيث يتمركز فيها أكثر من 36,000 جندي أمريكي، موزعين على قواعد رئيسية ومراكز قيادة استراتيجية.
وتعد قاعدة رامشتاين الجوية واحدة من أهم المنشآت العسكرية الأمريكية خارج الولايات المتحدة، إذ تُستخدم كمركز عمليات لوجستية واتصالات يربط بين أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، كما تستضيف القيادة الأوروبية الأمريكية (EUCOM) في مدينة شتوتغارت.
ولا يقتصر الوجود الأمريكي في ألمانيا على القواعد الجوية فقط، بل يشمل أيضًا منشآت طبية وعسكرية ضخمة مثل مستشفى لاندشتول، الذي يُعد أكبر مستشفى عسكري أمريكي خارج الأراضي الأمريكية، ويستقبل الجرحى والجنود من مختلف مناطق العمليات حول العالم.
كما توجد قاعدة بوشل الجوية، التي تُشير تقارير إلى أنها تضم أسلحة نووية ضمن إطار “المشاركة النووية” لحلف الناتو، وهو نظام يسمح لبعض الدول الأوروبية بالمشاركة في تنفيذ مهام نووية تحت إشراف أمريكي مباشر.
إيطاليا.. لماذا تُعد نقطة ارتكاز في المتوسط؟
في المرتبة الثانية تأتي إيطاليا التي تستضيف نحو 12,700 جندي أمريكي، موزعين على قواعد جوية وبحرية مهمة، أبرزها قاعدة سيغونيلا في جزيرة صقلية.
وتلعب هذه القاعدة دورًا محوريًا في عمليات المراقبة والدعم اللوجستي في البحر المتوسط، كما تُستخدم كنقطة انطلاق للعمليات المتجهة نحو الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
كما تستضيف إيطاليا مقر القيادة البحرية الأمريكية في أوروبا وأفريقيا، ما يجعلها مركزًا أساسيًا للعمليات البحرية الأمريكية في الجنوب الأوروبي.
بريطانيا.. شريك استراتيجي في العمليات الجوية؟
تحتل المملكة المتحدة المرتبة الثالثة من حيث عدد القوات الأمريكية في أوروبا، بنحو 10,200 جندي.
وتضم بريطانيا عددًا من القواعد الجوية التي تُستخدم في تشغيل الطائرات المقاتلة والقاذفات الاستراتيجية وطائرات التزود بالوقود، ما يمنحها دورًا مهمًا في دعم العمليات الجوية للناتو والولايات المتحدة.
وتُعد العلاقة العسكرية بين لندن وواشنطن من أقدم وأقوى العلاقات داخل الحلف، حيث تعتمد الولايات المتحدة على القواعد البريطانية في عدد من العمليات الخارجية الحساسة.
أين تنتشر القوات الأمريكية خارج الدول الكبرى؟
لا يقتصر الوجود العسكري الأمريكي على ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا فقط، بل يمتد إلى دول أخرى داخل أوروبا، خاصة على الجناح الشرقي لحلف الناتو.
ففي بولندا ورومانيا، تنتشر وحدات أمريكية ضمن ما يُعرف بـ”القوات الأمامية المتقدمة”، والتي تهدف إلى تعزيز الردع ضد أي تهديد محتمل من روسيا.
كما توجد قوات أمريكية في النرويج شمالًا، وفي اليونان، إضافة إلى مواقع استراتيجية في جزر الأزور التابعة للبرتغال، والتي تُستخدم كمحطات دعم لوجستي ومراقبة.
لماذا تتمركز القوات الأمريكية في أوروبا أصلًا؟
يعود هذا الوجود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما تم إنشاء حلف الناتو عام 1949 كتحالف دفاعي بين الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، بهدف مواجهة الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت القواعد الأمريكية في أوروبا إلى جزء دائم من البنية الأمنية الغربية، حيث وصلت أعداد القوات في ذروة الحرب الباردة إلى مئات الآلاف.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، تم تقليص هذا الوجود تدريجيًا، لكن لم يختفِ، بل عاد للارتفاع مرة أخرى بعد عام 2014 مع تصاعد التوتر مع روسيا وضم شبه جزيرة القرم.
هل تستخدم أوروبا كمنصة عمليات عالمية؟
لا يقتصر دور القواعد الأمريكية في أوروبا على الدفاع داخل القارة فقط، بل تمتد وظيفتها إلى دعم العمليات العسكرية الأمريكية عالميًا.
فمن خلال قواعد مثل رامشتاين في ألمانيا، تستطيع الولايات المتحدة تنفيذ عمليات في الشرق الأوسط بسرعة أكبر مقارنة بالانطلاق من أراضيها داخل أمريكا الشمالية.
كما تلعب هذه القواعد دورًا في الاتصالات العسكرية والاستخبارات والطائرات بدون طيار، ما يجعلها مراكز قيادة متقدمة للعمليات الأمريكية خارج حدود أوروبا.
هل هناك خلافات حول الوجود الأمريكي؟
في السنوات الأخيرة، ظهرت نقاشات داخل بعض الدول الأوروبية حول حجم ودور القوات الأمريكية، خاصة مع تغير السياسات الأمريكية وتذبذب المواقف السياسية تجاه أوروبا.
لكن رغم ذلك، لا يزال هذا الوجود يُعتبر جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الأوروبي، خصوصًا في ظل استمرار التوتر مع روسيا والتحديات الأمنية في الشرق الأوسط. هل أوروبا بدون القوات الأمريكية ممكنة؟
يبقى الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا عنصرًا مركزيًا في ميزان الأمن الدولي، ليس فقط كقوة ردع، بل أيضًا كأداة نفوذ سياسي وعسكري عالمي.
ومع استمرار التوترات الدولية، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد: أين تنتشر القوات الأمريكية في أوروبا؟ بل: إلى متى سيستمر هذا الانتشار بهذا الحجم؟










