تحوّل لافت في السياسة الأمريكية تجاه كاراكاس مع تجميد ملاحقات جنائية ضد الرئيسة المؤقتة وسط إعادة رسم لمعادلة العقوبات والنفط والاستقرار.
واشنطن- المنشر الإخبارى
كشفت مصادر أمريكية مطلعة أن إدارة الرئيس دونالد ترامب أصدرت توجيهات “سرية” للمدعين الفيدراليين في مدينة ميامي تقضي بتجميد أي تحركات أو تحقيقات جنائية محتملة ضد رئيسة فنزويلا المؤقتة ديلسي رودريغيز، في خطوة تعكس تحولاً ملحوظاً في مقاربة واشنطن تجاه الحكومة الجديدة في كاراكاس.
وبحسب ما نقلته وكالة “أسوشيتد برس”، فإن القرار يأتي في سياق إعادة تقييم أوسع للعلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا، خاصة بعد سلسلة من التطورات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد عقب الإطاحة بالرئيس السابق نيكولاس مادورو، وتولي رودريغيز قيادة المرحلة الانتقالية.
توجيهات داخلية لتجميد الملاحقات
ووفقاً للمصادر، فقد تلقت دوائر الادعاء الفيدرالي تعليمات بعدم فتح أو متابعة أي إجراءات قضائية ضد رودريغيز، رغم أنها كانت خلال السنوات الماضية تحت مراقبة مستمرة من قبل أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية، بما في ذلك إدارة مكافحة المخدرات (DEA).
ورغم ذلك، أوضحت وزارة العدل الأمريكية أنه “لم يكن هناك تحقيق جنائي مفتوح” ضد رودريغيز في الوقت الحالي، ما يجعل قرار التجميد أقرب إلى إجراء استباقي سياسي أكثر منه إنهاءً لقضية قضائية قائمة.
وتشير سجلات أمنية، اطلعت عليها الوكالة، إلى أن اسم رودريغيز كان مدرجاً على قوائم الرصد منذ عام 2018، دون أن يؤدي ذلك إلى توجيه أي لائحة اتهام رسمية داخل الولايات المتحدة.
تحول في الموقف الأمريكي
يأتي هذا التطور بعد قرار وزارة الخزانة الأمريكية في أبريل الماضي رفع بعض العقوبات المفروضة على رودريغيز، التي تولت منصب الرئيسة المؤقتة عقب التغييرات السياسية في البلاد، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها بداية تحول تدريجي في سياسة واشنطن تجاه كاراكاس.
وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن إدارة ترامب باتت تنظر إلى الاستقرار في فنزويلا باعتباره أولوية استراتيجية، خصوصاً في ظل أهمية البلاد كأحد أكبر منتجي النفط في العالم، ورغبة واشنطن في إعادة فتح قنوات الاستثمار الأمريكي هناك.
دوافع سياسية واقتصادية
وبحسب مصادر مطلعة، فإن قرار تجميد الملاحقات يأتي ضمن مقاربة أوسع تهدف إلى دعم الاستقرار السياسي في فنزويلا، وتسهيل عملية انتقال اقتصادي تدريجي يسمح بعودة الشركات الأمريكية إلى السوق الفنزويلية، خاصة في قطاع الطاقة.
ويرى محللون أن إدارة ترامب تسعى إلى الموازنة بين الضغط السياسي التقليدي على خصوم الولايات المتحدة، وبين البراغماتية الاقتصادية التي تفرضها اعتبارات سوق النفط العالمي.
إعادة تموضع في السياسة الخارجية
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تتجه نحو إعادة صياغة أدواتها في التعامل مع الدول التي كانت تُصنف سابقاً ضمن “الأنظمة المعادية”، عبر الدمج بين تخفيف العقوبات، وإعادة فتح قنوات الاتصال السياسي، مقابل ضمانات تتعلق بالاستقرار الإقليمي ومكافحة الجريمة المنظمة.
وفي هذا السياق، اعتبر مراقبون أن النموذج الفنزويلي قد يصبح مرجعاً لتجارب مشابهة في دول أخرى تخضع لضغوط أمريكية، بما في ذلك دول في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.
ردود فعل وتحفظات
ورغم عدم صدور تعليق رسمي من إدارة رودريغيز، إلا أن الخطوة الأمريكية قوبلت بترقب واسع داخل الأوساط السياسية والاقتصادية، خصوصاً في ظل استمرار الجدل حول طبيعة التوازن بين العدالة الدولية والمصالح الاستراتيجية.
كما يرى خبراء أن تخفيف الضغط القانوني قد يمنح الحكومة الفنزويلية الجديدة مساحة أوسع لإعادة بناء علاقاتها مع المؤسسات المالية العالمية، وفتح الباب أمام تدفقات استثمارية قد تكون حاسمة في إنعاش الاقتصاد المتعثر.
فنزويلا في قلب إعادة ترتيب النفوذ
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه فنزويلا إعادة تشكيل لموقعها على الخريطة الدولية، مع محاولات لإعادة دمجها في النظام الاقتصادي العالمي، بعد سنوات من العزلة والعقوبات الأمريكية المشددة.
ويشير مراقبون إلى أن الملف الفنزويلي بات جزءاً من لوحة أوسع لإعادة توزيع النفوذ الأمريكي في مناطق الطاقة، وربط السياسة الخارجية بالاعتبارات الاقتصادية المباشرة، خصوصاً في أسواق النفط العالمية.
قرار إدارة ترامب بتجميد الملاحقات ضد ديلسي رودريغيز يمثل مؤشراً على تحول واضح في مقاربة واشنطن تجاه فنزويلا، من سياسة الضغط القصوى إلى إدارة تفاهمات سياسية واقتصادية أكثر مرونة، في إطار إعادة رسم التوازنات في نصف الكرة الغربي.










