إعادة إعمار واسعة في جنوب بارس تُفشل رهانات تعطيل الاقتصاد الإيراني وتعيد الزخم إلى أحد أكبر مراكز الطاقة في العالم
طهران – المنشر الإخبارى
في خطوة تعكس سرعة التعافي وقدرة البنية الصناعية الإيرانية على استعادة نشاطها، أعلنت إيران استكمال الجزء الأكبر من عمليات إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة في منطقة جنوب بارس الاقتصادية الخاصة للطاقة، وذلك بعد أقل من شهرين على الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة والبتروكيماويات خلال التصعيد العسكري الأخير.
وتُعد منطقة جنوب بارس، الواقعة في محافظة بوشهر على الخليج، أكبر مركز لإنتاج الغاز الطبيعي والمواد الخام البتروكيماوية في إيران، كما تمثل العمود الفقري للصناعات التحويلية والبتروكيماوية التي تشكل أحد أهم مصادر الإيرادات غير النفطية للبلاد.
وبحسب مسؤولين في قطاع الطاقة الإيراني، فقد تمكنت فرق الهندسة والصيانة من إزالة الأنقاض وإعادة بناء خطوط الأنابيب المتضررة وإصلاح شبكات الخدمات الحيوية خلال فترة زمنية قياسية، ما سمح بعودة عدد من المجمعات الصناعية الكبرى إلى الإنتاج واستئناف تدفق المواد الخام والطاقة إلى المصانع.
وقال نائب وزير النفط الإيراني والرئيس التنفيذي للشركة الوطنية للصناعات البتروكيماوية حسن عباس زاده إن عمليات إعادة التأهيل مستمرة بوتيرة متسارعة، مؤكداً أن عدداً من المجمعات عاد بالفعل إلى دائرة التشغيل بينما تتواصل أعمال استعادة الطاقة الإنتاجية الكاملة لبقية المنشآت.
وكانت الهجمات التي استهدفت المنطقة في السادس من أبريل قد طالت خطوط الخدمات والمرافق الرئيسية وأنابيب نقل المواد الأولية في عسلويه، في محاولة لقطع الكهرباء والمياه والبخار والمواد الخام عن المجمعات الصناعية الكبرى وإرباك سلسلة الإمداد البتروكيماوية.
ورغم حجم الأضرار، تمكنت الفرق الفنية من إعادة بناء المقاطع المدمرة وإصلاح الأجزاء المتضررة خلال أقل من شهر، مستفيدة من إعادة ربط المنشآت بالشبكة الكهربائية واستخدام مصادر بديلة للطاقة والبخار.
وخلال الأيام الأولى للهجمات، تحدثت وسائل إعلام غربية وإسرائيلية عن توقف طويل الأمد للقطاع البتروكيماوي الإيراني، فيما أعلنت جهات إسرائيلية أن أكبر المجمعات الصناعية الإيرانية خرجت من الخدمة. إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت قدرة سريعة على استعادة النشاط الإنتاجي وإعادة تشغيل المرافق الأساسية.
ووفقاً للتقديرات الإيرانية، استهدفت الهجمات 31 شركة صناعية كبرى تبلغ قيمتها السوقية نحو 14.2 مليار دولار، كان أبرزها مجمع بارس للبتروكيماويات، أكبر منتج لليوريا في غرب آسيا، ومجمعا نوري وزاغروس للميثانول، إضافة إلى شركة فولاد مباركة، أكبر منتج للصلب في إيران.
كما تأثرت منشآت أخرى بصورة غير مباشرة نتيجة انقطاع الخدمات، من بينها مجمع “آريا ساسول”، الذي اضطر إلى وقف الإنتاج بسبب توقف إمدادات الطاقة والمرافق القادمة من وحدتي “مبين” و”فجر”، قبل أن يعود تدريجياً إلى العمل بعد إعادة تشغيلهما.
وفي منطقة ماهشهر، التي تمثل نحو 25% من إجمالي إنتاج البتروكيماويات الإيراني، تتواصل عمليات إعادة التأهيل في مجمعات بندر الإمام ومارون وأرفند، مع عودة أجزاء كبيرة من منظومة الإنتاج إلى العمل.
وأكدت السلطات الإيرانية أن شبكات نقل الطاقة والمواد الخام الأساسية عادت إلى الخدمة، رغم أن بعض المعدات والوحدات الصناعية التي تعرضت لأضرار مباشرة ستحتاج إلى وقت أطول للوصول إلى طاقتها التشغيلية الكاملة.
ولم تقتصر الهجمات على المجمعات الصناعية، بل امتدت إلى مستودعات الوقود والبنية التحتية الخاصة بالتخزين والتوزيع.
ففي طهران تعرضت خزانات في مستودعي شهران والري لأضرار مباشرة، ما دفع السلطات إلى إطلاق عمليات إصلاح عاجلة نظراً للدور الحيوي الذي يلعبه المستودعان في تأمين احتياجات العاصمة من الوقود.
وبعد استكمال أعمال الصيانة وإجراءات السلامة، عادت الخزانات المتضررة إلى الخدمة، فيما واصلت فرق الطوارئ معالجة الأضرار التي لحقت بمنشآت أخرى في كرج وقوتشك ومناطق مختلفة من البلاد.
كما أعلنت الشركة الوطنية الإيرانية لهندسة وإنشاءات النفط أن المرحلة الأولى من خطة إعادة الإعمار اكتملت خلال نحو شهر واحد فقط، مع استمرار العمل على تحديث المنشآت المتضررة ورفع مستوى الحماية والمرونة التشغيلية فيها.
وأكد المدير التنفيذي للشركة محمد مشكين فام أن عمليات إعادة البناء الجارية تعتمد بصورة كاملة تقريباً على الخبرات والقدرات المحلية، مشيراً إلى أن التجربة الأخيرة أثبتت قدرة الكوادر الإيرانية على التعامل مع الأزمات الصناعية الكبرى دون الحاجة إلى دعم خارجي.
وتشير بيانات الشركة الوطنية للصناعات البتروكيماوية إلى أن الطاقة الإنتاجية للقطاع كانت قد بلغت نحو 100 مليون طن سنوياً قبل الهجمات، فيما يساهم القطاع بنحو ثلث إجمالي الصادرات غير النفطية الإيرانية.
ويرى خبراء أن عودة وحدات الخدمات الرئيسية إلى العمل ستسهم في استعادة الصادرات البتروكيماوية تدريجياً، كما ستؤمن احتياجات الصناعات المحلية التي تعتمد على منتجات القطاع، مثل صناعات البلاستيك والمنسوجات والأدوية والسيارات.
وفي قطاع التكرير، تعرض مستودع شهران النفطي للقصف خلال الأيام الأولى من الحرب، إلا أن الأضرار اقتصرت على بعض الخزانات، بينما بقيت خطوط الإنتاج والتكرير الرئيسية خارج نطاق الضرر.
كما تعرضت مصفاة لاوان لهجوم لاحق، وتقول وزارة النفط إن المصفاة ستستعيد ما بين 70 و80% من قدرتها التشغيلية خلال الشهرين المقبلين.
ورغم أن بعض المنشآت ستحتاج إلى عدة أشهر لاستعادة كامل طاقتها، فإن المسؤولين الإيرانيين يعتبرون ما تحقق حتى الآن مؤشراً على نجاح استراتيجية الاعتماد على القدرات الوطنية في إدارة الأزمات.
وتؤكد طهران أن سرعة إعادة تشغيل خطوط الأنابيب وعودة الإنتاج في منشآت استراتيجية كبرى خلال فترة قصيرة تمثل رسالة واضحة بأن قطاع الطاقة الإيراني قادر على استعادة نشاطه رغم الضغوط والهجمات، وأن محاولات تعطيل سلاسل الإمداد والإنتاج لم تحقق أهدافها.
ويرى مراقبون أن تجربة جنوب بارس الأخيرة قد تتحول إلى نموذج جديد لإدارة الأزمات الصناعية في المنطقة، خاصة مع اعتمادها على حلول محلية مكّنت من إعادة تشغيل واحد من أهم مراكز الطاقة والبتروكيماويات في العالم خلال فترة زمنية محدودة.










