تحذيرات من فقدان خبرات تراكمت لعقود وسط تصاعد القلق بشأن قدرة واشنطن على إدارة أزماتها الدولية
واشنطن – المنشر الإخبارى
تواجه وزارة الخارجية الأمريكية أزمة متصاعدة بعد مغادرة نحو 2000 دبلوماسي خلال العام الماضي، في موجة رحيل شملت تسريحات وظيفية وإحالات إلى التقاعد المبكر، ما أثار مخاوف داخل الأوساط الدبلوماسية من تراجع غير مسبوق في كفاءة الجهاز الدبلوماسي الأمريكي.
ووفق تقارير صادرة عن جمعية الخدمة الخارجية الأمريكية (AFSA)، فإن الدبلوماسيين المغادرين يمثلون جزءاً مهماً من الخبرة المؤسسية للوزارة، حيث يمتلك كثير منهم خبرات تمتد لعقود، إضافة إلى مهارات لغوية متخصصة ومعرفة دقيقة بملفات دولية معقدة، وهو ما يهدد بما وصفه خبراء بـ”فقدان الذاكرة الدبلوماسية”.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات خارجية متزايدة، تتراوح بين أزمات جيوسياسية وصراعات إقليمية وتوترات اقتصادية، ما يزيد من الضغط على وزارة الخارجية التي تعتمد بشكل أساسي على كوادرها المهنية في إدارة الملفات الدولية الحساسة.
ومن بين أبرز حالات المغادرة، دبلوماسيون مخضرمون خدموا لسنوات طويلة في مواقع استراتيجية، حيث أشار بعضهم إلى شعور متزايد بعدم وجود دور واضح لهم داخل الوزارة، في ظل تغييرات إدارية وسياسات جديدة أثرت على مسار العمل الدبلوماسي التقليدي.
وأكدت دبلوماسية سابقة خدمت لما يقرب من 30 عاماً أن قرار مغادرتها جاء بعد شعورها بأن “لا مكان لها داخل المؤسسة”، مشيرة إلى أن العديد من زملائها كانوا يتوقعون الانتقال إلى أدوار قيادية أو تدريبية، لكنهم وجدوا أنفسهم خارج الخدمة بشكل مفاجئ.
وحذر دبلوماسيون سابقون من أن استمرار فقدان الكفاءات سيؤثر بشكل مباشر على قدرة واشنطن في التعامل مع الأزمات الدولية وحماية مصالحها حول العالم، مؤكدين أن العمل الدبلوماسي يعتمد على تراكم الخبرات وبناء العلاقات على مدى طويل وليس على قرارات قصيرة المدى.
كما أشار التقرير إلى أن عدداً كبيراً من المناصب الدبلوماسية العليا ما يزال شاغراً، بما في ذلك مواقع حساسة في دول مثل أوكرانيا ومولدوفا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تُدار العديد من السفارات حالياً بواسطة دبلوماسيين بالإنابة دون سفراء معتمدين.
وبحسب بيانات جمعية الخدمة الخارجية، فإن نحو 100 سفارة أمريكية تعمل دون سفراء معتمدين، وهو ما يمثل أكثر من نصف البعثات الدبلوماسية الأمريكية حول العالم، في مؤشر على وجود فراغ إداري ودبلوماسي واسع.
ورغم هذه التحذيرات، أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن المؤسسة لا تزال تعمل بكفاءة، وأن الكوادر المهنية تواصل تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية وفق الأولويات الرسمية، مشددة على قوة واستمرارية الجهاز الدبلوماسي.
لكن خبراء ودبلوماسيين سابقين يرون أن التغيرات الأخيرة في سياسات التوظيف وتقليص دور الخبراء المهنيين في صنع القرار قد تؤدي إلى إضعاف البنية المؤسسية على المدى الطويل، ما ينعكس على النفوذ الأمريكي وقدرته على إدارة الأزمات العالمية.
وحذر مراقبون من أن استمرار هذه الموجة من المغادرة قد يضع واشنطن أمام تحديات استراتيجية كبيرة، في ظل عالم يشهد تصاعداً في الأزمات الدولية وتزايد الحاجة إلى دبلوماسية مستقرة وفعّالة تعتمد على الخبرة والاستمرارية.










