قمة مفصلية وسط انقسامات غير مسبوقة بين واشنطن وحلفائها.. وتركيا تستعد أمنيا لاستقبال أخطر اجتماع أطلسي منذ سنوات
لندن – المنشر_الاخباري
تتجه أنظار العالم إلى العاصمة التركية أنقرة التي تستعد لاستضافة قمة قادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) يومي 7 و8 يوليو/تموز المقبل، في وقت يواجه فيه التحالف العسكري الأكبر في العالم تحديات غير مسبوقة تتداخل فيها الحرب الروسية الأوكرانية مع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلى جانب تصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة وعدد من حلفائها الأوروبيين.
وتكتسب القمة أهمية استثنائية كونها تأتي وسط تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل الحلف وقدرته على الحفاظ على تماسكه في ظل تباين المصالح بين أعضائه، وتنامي المخاوف من تراجع الدور الأمريكي التقليدي داخل المنظومة الأطلسية.
وتعد هذه المرة الثانية التي تستضيف فيها تركيا قمة لقادة الناتو بعد قمة إسطنبول عام 2004، إلا أن الظروف الحالية تجعل الاجتماع المرتقب أكثر حساسية وتعقيدا من أي وقت مضى.
أنقرة تتحول إلى قلعة أمنية
وبحسب تقارير صحفية غربية، تستعد السلطات التركية لتنفيذ واحدة من أكبر الخطط الأمنية في تاريخ البلاد لتأمين القمة، حيث سيتم رفع مستوى الجاهزية العسكرية والأمنية إلى أقصى درجة تحسبا لأي تهديدات محتملة.
وتعتزم أنقرة تفعيل منظومات الدفاع الجوي والصاروخي المحلية، ووضع أسراب من مقاتلات “إف-16” في حالة تأهب قصوى طوال فترة انعقاد القمة، إلى جانب نشر طائرات مسيرة وأنظمة متطورة لمكافحة الطائرات بدون طيار.
كما ستنتشر عشرات الآلاف من عناصر الأمن في العاصمة التركية، مع تشديد الإجراءات حول المنشآت الحكومية والفنادق ومراكز المؤتمرات والطرق الرئيسية.
وتشمل الخطة أيضا فرض قيود واسعة على التجمعات العامة والمظاهرات، فضلا عن تعزيز أنظمة المراقبة الإلكترونية والكاميرات الأمنية في مختلف أنحاء المدينة.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات المشددة تعكس حجم المخاوف المرتبطة بالتطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة، خاصة مع قرب تركيا الجغرافي من بؤر الصراع في الشرق الأوسط، واستمرار التهديدات الإرهابية التي تواجهها البلاد.
حضور ترمب رغم الخلافات
ومن أبرز الملفات التي سبقت القمة إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تأكيد مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الاجتماع المرتقب، رغم حالة التوتر التي تخيم على العلاقات بين واشنطن وعدد من شركائها داخل الحلف.
وخلال الأشهر الماضية، وجه ترمب انتقادات متكررة لدول الناتو، معتبرا أن العديد من الحلفاء لم يقدموا الدعم الكافي للولايات المتحدة خلال الحرب ضد إيران.
كما اتهم بعض الدول الأوروبية بالاستفادة من المظلة الأمنية الأمريكية دون تحمل نصيبها العادل من الأعباء الدفاعية والعسكرية.
وتسببت هذه التصريحات في زيادة المخاوف داخل العواصم الأوروبية من احتمال إقدام الإدارة الأمريكية على تقليص التزاماتها تجاه الحلف أو إعادة النظر في طبيعة الشراكة الأمنية عبر الأطلسي.
أوكرانيا في صدارة النقاش
ومن المتوقع أن تحتل الحرب الروسية الأوكرانية موقعا متقدما على جدول أعمال القمة، خاصة في ظل استمرار المعارك واستنزاف الموارد العسكرية والمالية للدول الغربية الداعمة لكييف.
وسيبحث القادة سبل تعزيز الدعم العسكري لأوكرانيا، بما يشمل توريد المزيد من الأسلحة والمعدات المتطورة، وتوسيع برامج التدريب والتمويل، إضافة إلى مناقشة الضمانات الأمنية طويلة المدى التي يمكن تقديمها للحكومة الأوكرانية.
كما يواجه الحلف تحديات متزايدة مرتبطة بالأنشطة العسكرية الروسية قرب حدود دول شرق أوروبا، الأمر الذي يدفع بعض الأعضاء للمطالبة بتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة ونشر مزيد من القوات والمعدات العسكرية في المناطق الحساسة.
تداعيات الحرب مع إيران
إلى جانب الملف الأوكراني، تفرض الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نفسها بقوة على أجندة القمة.
فمنذ اندلاع المواجهة العسكرية، ظهرت انقسامات واضحة داخل الناتو بشأن مستوى الدعم الذي ينبغي تقديمه للولايات المتحدة، إذ رفضت عدة دول أوروبية الانخراط المباشر في العمليات العسكرية أو السماح باستخدام قواعدها وأجوائها في بعض المهام القتالية.
وأدى هذا التباين إلى توتر العلاقات داخل الحلف، خصوصا بعد الانتقادات الحادة التي وجهها ترمب لبعض الحلفاء بسبب ما وصفه بعدم التضامن خلال الأزمة.
ويرى محللون أن القمة قد تشهد نقاشات ساخنة حول مستقبل التنسيق العسكري والسياسي بين أعضاء الحلف في الأزمات الإقليمية الكبرى، ومدى استعداد الدول الأوروبية للمشاركة في عمليات تقودها واشنطن خارج الإطار التقليدي للدفاع الجماعي.
معركة الإنفاق الدفاعي
ومن الملفات الخلافية الأخرى التي ستطرح بقوة خلال الاجتماعات قضية الإنفاق الدفاعي وتقاسم الأعباء المالية بين الدول الأعضاء.
فالإدارة الأمريكية تضغط منذ سنوات من أجل زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، بينما ترى بعض الحكومات أن الظروف الاقتصادية الحالية تجعل من الصعب رفع الميزانيات الدفاعية بالوتيرة التي تطالب بها واشنطن.
ومن المتوقع أن يسعى ترمب خلال القمة إلى انتزاع تعهدات جديدة من الحلفاء بشأن زيادة الإنفاق العسكري وتطوير القدرات القتالية للحلف.
هل يواجه الناتو أزمة وجودية؟
وتأتي القمة في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مستقبل حلف الناتو نفسه، خاصة بعد تقارير تحدثت عن وجود نقاشات داخلية بشأن إعادة النظر في آلية عقد القمم السنوية مستقبلا، في مؤشر يعكس حجم التحديات التي تواجه المنظمة.
ويرى خبراء أن الحلف يمر بواحدة من أكثر مراحله حساسية منذ نهاية الحرب الباردة، إذ يواجه في آن واحد حربا مفتوحة في أوروبا، وتصعيدا خطيرا في الشرق الأوسط، وخلافات سياسية متزايدة بين أعضائه حول أولويات الأمن والدفاع.
ومع ذلك، يعتقد مراقبون أن قمة أنقرة قد تمثل فرصة لإعادة صياغة التفاهمات داخل الحلف ومحاولة احتواء الخلافات المتصاعدة قبل أن تتحول إلى أزمة أعمق تهدد وحدة التكتل العسكري.
قمة ترسم مستقبل التحالف
وبينما تستعد أنقرة لاستقبال عشرات القادة والمسؤولين العسكريين والدبلوماسيين، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت القمة ستنجح في توحيد مواقف أعضاء الناتو تجاه الملفات الساخنة، أم أنها ستكشف حجم الانقسامات التي باتت تهدد تماسك الحلف.
ففي ظل الحرب بأوكرانيا، والتوتر مع إيران، وتصاعد الخلافات الأمريكية الأوروبية، تبدو قمة أنقرة أكثر من مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف، بل محطة مفصلية قد تحدد شكل الناتو ودوره ومكانته في النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.










