في مذكرة تحليلية جريئة، انتقد مايكل ميلستين، الباحث البارز في مركز “موشيه دايان” بجامعة تل أبيب، النهج الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه إيران، معتبراً أن الحملة العسكرية الأخيرة لم تنجح في تحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في زعزعة استقرار النظام الإيراني أو الإطاحة به، محذراً من استمرار وقوع صناع القرار في فخ “المفاهيم الخاطئة” التي أثبتت فشلها سابقاً مع حماس وحزب الله.
فجوة بين الطموح والواقع
يشير ميلستين في تحليله الذي نشره موقع “Ynet” إلى وجود فجوة كبيرة بين الأهداف النظرية لعملية “زئير الأسد” وبين نتائجها على الأرض.
وبينما كانت إسرائيل تراهن على إضعاف النظام الإيراني، أظهرت الوقائع أن طهران لم تصمد فحسب، بل ربما تبنت مواقف أكثر تطرفاً بعد الحرب.
ويؤكد الباحث أن الأوساط السياسية والأمنية في إسرائيل لا تزال تروج لمزاعم حول “انهيار وشيك” للنظام الإيراني، وهي نفس الرواية التي سادت بشأن حماس وحزب الله دون أن تتحقق، مما يعكس ضعفاً في قراءة طبيعة الخصم.
فشل استراتيجية “قطع الرؤوس”
يرى ميلستين أن الاستراتيجية الإسرائيلية اعتمدت على مزيج من تصفية القادة، تدمير البنية التحتية، وتأجيج الاحتجاجات الداخلية، ظناً بأن هذه العوامل ستؤدي لانهيار النظام.
ومع ذلك، يؤكد ميلستين أن هذه الاستراتيجية أغفلت طبيعة الأنظمة الأيديولوجية في الشرق الأوسط، التي قد تخسر أصولاً مادية وبشرية باهظة دون أن يعني ذلك استسلامها أو تراجعها عن مبادئها الراديكالية.
نقد “سيناريوهات البديل”
انتقد ميلستين بشدة بعض الأفكار التي طُرحت داخل أروقة التخطيط الإسرائيلي، مثل الرهان على الأقليات العرقية (كالأكراد) لزعزعة السلطة المركزية، معتبراً أن هذه التصورات تفتقر إلى فهم عميق للنسيج الاجتماعي والسياسي الإيراني.
كما سخر من المقترحات التي رأت في شخصيات مثل محمود أحمدي نجاد خياراً مستقبلياً “أكثر اعتدالاً”، مشيراً إلى أن ذلك يعكس جهلاً بهيكل السلطة في طهران وبالأيديولوجيات المعادية التي يحملها هؤلاء القادة.
أزمة المسؤولية واستخلاص الدروس
تكمن المشكلة الحقيقية، بحسب ميلستين، في رفض إسرائيل إجراء مراجعة صادقة لإخفاقاتها. وأكد أن صدمة 7 أكتوبر كان يجب أن تشكل نقطة تحول في كيفية رؤية إسرائيل لأعدائها، لكن ما يحدث هو “تطبيع للأخطاء” ورفض لتحمل المسؤولية.
ويحذر الباحث من أن استمرار النخبة السياسية والأمنية في تبني نفس الافتراضات السابقة دون مراجعة جوهرية، يضع إسرائيل أمام خطر حقيقي يتلخص في وقوع “مآسٍ جديدة” ومزيد من الإخفاقات الاستراتيجية في المستقبل.
تأتي هذه المذكرة التحليلية كصرخة تحذيرية من داخل الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية، تدعو إلى ضرورة التخلي عن “الأوهام” والاعتراف بحدود القوة العسكرية في مواجهة أنظمة أيديولوجية متجذرة، بدلاً من المضي قدماً في مسارات أثبتت التجربة عدم جدواها.











