مبادرة محلية تثير نقاشاً سياسياً ودستورياً حول مستقبل الوحدة الإدارية ومسار التسوية في ليبيا
طرابلس – المنشر_الاخباري
أثار إعلان عدد من البلديات في المنطقة الوسطى بليبيا تشكيل ما يُعرف بـ“إقليم المنطقة الوسطى” موجة جدل واسعة في الأوساط السياسية والقانونية، وسط تحذيرات من أن الخطوة قد تمثل تحولاً جديداً في خريطة النفوذ داخل البلاد، وتنعكس على جهود التوحيد التي تقودها الأمم المتحدة.
ويضم الكيان الجديد عدداً من البلديات البارزة، بينها مصراتة وبني وليد وترهونة وزليتن والخمس ومسلاتة، حيث يروج مؤيدوه للفكرة باعتبارها إطاراً تنسيقياً يهدف إلى تحسين الخدمات وتعزيز التنمية المحلية والتخطيط المشترك بين البلديات.
لكن هذه الخطوة قوبلت بانتقادات واسعة من أطراف سياسية وخبراء، اعتبروا أن الإعلان في هذا التوقيت يحمل أبعاداً تتجاوز الطابع الخدمي، وقد يشكل محاولة لإعادة رسم موازين القوة الجغرافية والسياسية داخل ليبيا، التي تقوم تاريخياً على ثلاثة أقاليم رئيسية هي طرابلس وبرقة وفزان.
وتتزامن هذه التطورات مع حراك سياسي متسارع تشهده البلاد، في ظل استمرار الجهود الدولية والإقليمية لدفع مسار تسوية سياسية شاملة، وتوحيد المؤسسات، والتهيئة لإجراء انتخابات تنهي سنوات من الانقسام، ما جعل توقيت الإعلان محل تساؤلات حول تأثيره على مسار التوافقات الجارية.
جدل قانوني حول الأساس الدستوري
في السياق القانوني، قال الباحث القانوني الليبي عبد الله الديباني، في تصريحات صحفية، إن إعلان “إقليم المنطقة الوسطى” لا يستند إلى أي أساس دستوري أو تشريعي، مشيراً إلى أن البلديات لا تملك صلاحية إنشاء أقاليم أو كيانات إدارية مستقلة خارج هيكل الدولة الرسمي.
وأوضح أن إحداث أي تقسيم إداري من هذا النوع يتطلب تعديلات دستورية وإجراءات تشريعية واضحة، وهو ما لا يتوفر في الحالة الحالية، ما يجعل الإعلان – بحسب وصفه – “غير ملزم قانونياً”.
وحذر الديباني من أن الخطوة قد تفتح الباب أمام مزيد من التعقيد في ملفات التوافق السياسي، خصوصاً ما يتعلق بالقاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية وتوزيع السلطة، مع احتمال خلق ردود فعل سياسية واجتماعية متباينة داخل البلاد.
ويرى أن المبادرة، رغم تقديمها بغطاء خدمي وتنموي، تحمل في جوهرها بعداً سياسياً يهدف إلى تعزيز ثقل المنطقة الوسطى في أي ترتيبات مستقبلية، وإعادة التموضع داخل خريطة النفوذ الليبي.
أبعاد سياسية ومخاوف من “خلط الأوراق”
من جهته، اعتبر الباحث السياسي الليبي عمرو بو سعيدة أن توقيت الإعلان يعكس حسابات سياسية مرتبطة بالمشهد الانتقالي في البلاد، مشيراً إلى أن الخطوة قد تكون محاولة لضمان تموضع أقوى قبل أي تسوية شاملة.
وأوضح أن المشهد الليبي يشهد حالة من التداخل بين المسارات السياسية والأمنية، ما يجعل أي مبادرة محلية ذات أبعاد إقليمية عرضة للتأثير على ميزان التوافقات الجارية.
وأشار إلى أن مدينة مصراتة، على وجه الخصوص، تمثل لاعباً محورياً في غرب ليبيا بفضل ثقلها الاقتصادي والعسكري، إلا أنها تعيش أيضاً انقساماً داخلياً بين تيارات سياسية مختلفة، ما ينعكس على طريقة تعاطيها مع ملفات التسوية الوطنية.
وأضاف أن الخطوة أثارت ردود فعل متباينة في الشرق والغرب الليبي، في ظل مخاوف من أن تؤدي إلى تعقيد مسار الحل السياسي أو خلق كيانات نفوذ موازية قد تعرقل جهود التوحيد.
تحذيرات من تهديد وحدة الدولة
في المقابل، وصف عضو مجلس الدولة الليبي أحمد اهمومة الإعلان بأنه “قفز في الهواء” وغير مدروس، مؤكداً أنه لا يوجد أي سند قانوني أو دستوري يسمح بتشكيل هذا الإقليم.
وأشار إلى أن ليبيا تاريخياً قامت على ثلاثة أقاليم رئيسية، وأن أي محاولة لإضافة إقليم جديد خارج هذا الإطار قد تفتح الباب أمام مزيد من التشظي السياسي والإداري.
وحذر من أن تجاهل هذه الخطوة دون محاسبة أو ضبط قانوني قد يشجع أطرافاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة، ما قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المؤسسي داخل الدولة.
ورغم هذه التحذيرات، يرى بعض المراقبين أن المبادرة تعكس في جزء منها مطالب محلية تتعلق بتحسين الخدمات والتنمية، لكنها في الوقت نفسه تحمل أبعاداً سياسية يصعب فصلها عن سياق الأزمة الليبية المعقدة.
مشهد مفتوح على احتمالات متعددة
وبين دعم يعتبرها مبادرة تنموية، ورفض يصفها بأنها تهديد لوحدة الدولة، يبقى إعلان “إقليم المنطقة الوسطى” نقطة جدل جديدة في مسار الأزمة الليبية، التي لا تزال تبحث عن صيغة توافقية قادرة على إنهاء الانقسام وبناء دولة موحدة بمؤسسات مستقرة.
وفي ظل استمرار الجهود الدولية لإعادة إطلاق العملية السياسية، تبدو الخطوة مرشحة لإضافة مزيد من التعقيد إلى مشهد سياسي هش أصلاً، يعتمد بشكل كبير على توازنات دقيقة بين القوى المحلية والإقليمية والدولية.










