لندن | المنشر الإخبارى
تحليل سياسي موسّع يكشف تباينات عميقة بين واشنطن وتل أبيب في إدارة الملف الإيراني وسط تصاعد التوترات الإقليمية
كشفت صحيفة ذا تلغراف البريطانية في مقال رأي موسّع عن ما وصفته بتزايد الفجوة السياسية والاستراتيجية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية إدارة الملف الإيراني والتعامل مع التصعيد المتواصل في الشرق الأوسط، معتبرة أن إيران باتت لاعباً قادراً على استثمار هذا الانقسام لصالحها في المشهد الإقليمي والدولي.
وجاء في المقال الذي كتبه ديفيد بلير، كبير المعلقين في الشؤون الخارجية بالصحيفة، أن التطورات الأخيرة في المنطقة، بما في ذلك تبادل الضربات غير المباشرة والمباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ساهمت في إعادة تشكيل موازين العلاقات داخل المعسكر الغربي، وفتحت الباب أمام خلافات غير مسبوقة بين الحليفين التقليديين.
وأشار الكاتب إلى أن ما يجري لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف تكتيكي في وجهات النظر، بل هو – بحسب تعبيره – “شرخ استراتيجي متصاعد” يعكس تبايناً في الأولويات السياسية والعسكرية، خصوصاً في ظل تعقيد المشهد في لبنان وسوريا والخليج العربي، وتزايد الضغوط الداخلية على كل من ترامب ونتنياهو.
وبحسب التحليل، فإن إيران تنظر إلى هذا التباين باعتباره فرصة استراتيجية لإعادة تموضعها الإقليمي، حيث تسعى – كما يزعم المقال – إلى توسيع هامش المناورة بين الطرفين، عبر إدارة التصعيد العسكري بشكل محسوب، وفي الوقت ذاته الدفع نحو مسارات تفاوضية غير مباشرة مع واشنطن، مع الإبقاء على حالة التوتر مع إسرائيل.
وأضاف الكاتب أن إدارة ترامب تميل بشكل واضح إلى تقليل الانخراط في صراعات عسكرية مفتوحة في الشرق الأوسط، مع التركيز على إمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي مع إيران يمكن أن يُسوّق داخلياً باعتباره إنجازاً دبلوماسياً كبيراً، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والانتخابية في الداخل الأمريكي.
في المقابل، يرى المقال أن نتنياهو يتبنى مقاربة أكثر تشدداً تقوم على “الردع العسكري المباشر”، وعدم السماح لإيران بترسيخ نفوذها في لبنان أو سوريا أو العراق، مع الإصرار على الرد الفوري على أي هجمات تعتبرها إسرائيل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، سواء عبر الحدود الشمالية أو في العمق الإيراني.
ويشير التحليل إلى أن هذا التباين ظهر بوضوح في عدة محطات خلال الأسابيع الأخيرة، خصوصاً في ما يتعلق بالتصعيد في لبنان، حيث برز اختلاف في تقدير الموقف بين واشنطن وتل أبيب بشأن حجم الرد المناسب، وإمكانية توسع العمليات العسكرية إلى نطاق إقليمي أوسع.
كما يلفت المقال إلى أن القيادة الإيرانية تدرك بدقة طبيعة هذا الخلاف، وتتعامل معه كجزء من “معادلة توازن القوى الجديدة”، حيث تسعى طهران إلى منع تشكل جبهة موحدة ضدها، عبر الاستفادة من الانقسامات السياسية بين الحلفاء الغربيين، وتوظيفها في سياق الضغط التفاوضي.
ويضيف الكاتب أن إيران “نجحت جزئياً” في خلق حالة من التباين في الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، من خلال المزج بين التصعيد المحدود والرسائل السياسية، ما أدى إلى حالة من الغموض في مسار الأزمة، وفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة تتراوح بين التهدئة المؤقتة والانفجار الشامل.
كما يتطرق المقال إلى البعد الداخلي في كل من واشنطن وتل أبيب، مشيراً إلى أن ترامب يواجه ضغوطاً سياسية تتعلق بملفات الاقتصاد والهجرة والانتخابات المقبلة، ما يدفعه إلى البحث عن تسوية خارجية في الشرق الأوسط، بينما يواجه نتنياهو تحديات سياسية وأمنية داخلية تجعله أكثر ميلاً للتصعيد العسكري لإظهار القوة والردع.
وفي هذا السياق، يرى التحليل أن التناقض بين النهجين الأمريكي والإسرائيلي لا يقتصر على التكتيك العسكري فقط، بل يمتد إلى الرؤية الاستراتيجية لمستقبل المنطقة، بما في ذلك شكل العلاقة مع إيران، ومستقبل لبنان، ودور حزب الله، وموازين القوى في الخليج.
ويحذر المقال من أن استمرار هذا الانقسام قد يؤدي إلى “إرباك استراتيجي” داخل المعسكر الغربي، مما يمنح إيران مساحة إضافية للمناورة، ويضعف قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على صياغة موقف موحد تجاه التطورات المتسارعة.
كما يشير إلى أن طهران تدير سياستها الخارجية والعسكرية وفق مبدأ “الضغط المتدرج”، حيث توازن بين التصعيد والتهدئة، بهدف تجنب حرب شاملة من جهة، ومنع فرض شروط سياسية قاسية عليها من جهة أخرى، مع الاستفادة من التناقضات بين خصومها.
ويختتم المقال بالإشارة إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من التعقيد، في ظل غياب توافق أمريكي–إسرائيلي كامل حول إيران، واستمرار التوترات في لبنان وغزة والبحر الأحمر، ما يجعل المنطقة أمام واحدة من أكثر لحظات عدم الاستقرار حساسية منذ سنوات.










