لندن توسّع قائمتها السوداء لتشمل بنوكاً وشركات وسفناً مرتبطة بتمويل الحرب في أوكرانيا وتؤكد استهداف “اقتصاد الحرب الروسي”
لندن – المنشر الإخباري
أعلنت الحكومة البريطانية، اليوم الثلاثاء، فرض حزمة جديدة من العقوبات الواسعة على روسيا، استهدفت نحو 70 كياناً بين مؤسسات مالية وشركات تجارية وسفن يُشتبه في ارتباطها بما يُعرف بـ“أسطول الظل”، في إطار تصعيد غربي متواصل للضغط على موسكو بسبب الحرب في أوكرانيا.
وقالت لندن إن هذه الخطوة تأتي ضمن جهودها لتجفيف مصادر التمويل والإمداد التي تساهم في دعم الاقتصاد الروسي المرتبط بالعمليات العسكرية، مؤكدة أن العقوبات الجديدة تستهدف بشكل مباشر شبكات النقل البحري والمالي التي تساعد روسيا على الالتفاف على القيود الغربية.
استهداف البنوك والشركات وشبكات التوريد
وشملت العقوبات الجديدة بنك “ياندكس” إلى جانب شبكة يُعتقد أنها مرتبطة بالمخابرات العسكرية الروسية، إضافة إلى مؤسسات مالية وشركات تعمل في مجالات التأمين والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية.
كما طالت الإجراءات شركة التأمين “روسغوستراخ”، وبنك “إيفرو فاينانس موسنار”، وشركة “وايلد بيريز”، ضمن ما وصفته الحكومة البريطانية بأنه استهداف متكامل للبنية الاقتصادية التي تدعم المجهود الحربي الروسي.
وأكدت لندن أن هذه الخطوة تأتي ضمن سياسة تهدف إلى تضييق الخناق على الشركات التي توفر غطاءً مالياً أو تقنياً أو لوجستياً لروسيا في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.
تشديد على “أسطول الظل”
واحدة من أبرز نقاط الحزمة الجديدة كانت استهداف أكثر من 20 ناقلة نفط وسفناً لنقل الغاز الطبيعي المسال، قالت بريطانيا إنها تعمل ضمن ما يُعرف بـ“أسطول الظل”، وهو مصطلح يُطلق على السفن التي تستخدمها موسكو لنقل صادرات الطاقة بعيداً عن القنوات التقليدية الخاضعة للرقابة الغربية.
ووفق البيانات البريطانية، فقد فرضت لندن حتى الآن عقوبات على ما يقرب من 600 سفينة ضمن هذا الأسطول، في واحدة من أكبر عمليات الاستهداف البحري في إطار العقوبات الغربية ضد روسيا منذ بداية الحرب.
وتتهم الدول الغربية موسكو باستخدام هذا الأسطول للالتفاف على سقف أسعار النفط والعقوبات المفروضة عليها، عبر شبكات نقل سرية أو معقدة تشمل تغيير أعلام السفن ومساراتها ووجهاتها النهائية.
تحرك عسكري موازٍ
إلى جانب العقوبات الاقتصادية، منحت الحكومة البريطانية خلال الأشهر الماضية الجيش صلاحيات أوسع لاعتراض السفن المشتبه في مساعدتها روسيا على تصدير النفط، بما في ذلك إمكانية الصعود على متنها واحتجازها في بعض الحالات.
وسُجلت مؤخراً أول عملية من هذا النوع، حيث صعدت قوات بريطانية إلى ناقلة يُشتبه بانتمائها لأسطول الظل في القناة الإنجليزية، في خطوة وُصفت بأنها تحول مهم في آلية تنفيذ العقوبات البحرية.
استهداف شبكات استخباراتية
كما شملت العقوبات شبكة مشتريات قالت لندن إنها تعمل لصالح الاستخبارات العسكرية الروسية، وتتمركز حول شركة “نبتون كو ليمتد”، والتي يُعتقد أنها متورطة في الحصول على تكنولوجيا غربية بشكل سري لدعم قطاع الدفاع الروسي.
وترى الحكومة البريطانية أن هذه الشبكات تشكل جزءاً أساسياً من البنية غير المباشرة التي تمكّن روسيا من الاستمرار في تطوير قدراتها العسكرية رغم القيود المفروضة عليها منذ بدء الحرب في أوكرانيا عام 2022.
ستارمر: العقوبات لحماية الأمن الأوروبي
وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن الحزمة الجديدة تستهدف “سفناً وأموالاً وجهات تدعم اقتصاد الحرب الروسي”، مشدداً على أن هذه الأنشطة “تهدد الأمن الأوروبي بشكل مباشر”.
وأضاف أن بريطانيا ستواصل العمل مع شركائها في مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي لتعزيز الضغوط الاقتصادية على موسكو، ومنعها من الاستفادة من الأسواق العالمية في تمويل عملياتها العسكرية.
تصعيد متواصل منذ بداية الحرب
تأتي هذه العقوبات في سياق سياسة غربية مستمرة منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، حيث فرضت الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي حزم عقوبات متتالية استهدفت قطاعات الطاقة والبنوك والدفاع والنقل.
ورغم ذلك، تقول تقارير غربية إن روسيا تمكنت من إعادة توجيه جزء كبير من صادراتها النفطية نحو أسواق بديلة، خاصة في آسيا، عبر شبكات شحن غير تقليدية، ما أبقى جزءاً من عائداتها النفطية بعيداً عن القيود الغربية.
اقتصاد تحت الضغط ومسارات بديلة
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن العقوبات الغربية نجحت في إحداث ضغط كبير على النظام المالي الروسي، لكنها لم تؤدِ إلى توقف صادرات الطاقة، التي تمثل أحد أهم مصادر دخل الدولة.
وفي المقابل، تعتمد موسكو بشكل متزايد على ما يُعرف بالمسارات البديلة والتجارة عبر وسطاء، إضافة إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد لتقليل أثر القيود المفروضة عليها.
سباق عقوبات طويل الأمد
ويرى مراقبون أن التصعيد البريطاني الأخير يعكس استمرار ما يشبه “حرب الاستنزاف الاقتصادية” بين الغرب وروسيا، حيث تعتمد لندن وحلفاؤها على توسيع نطاق العقوبات بشكل تدريجي، بينما تعمل موسكو على تطوير آليات التفاف اقتصادية وتقنية.
وبين هذا وذاك، يبقى “أسطول الظل” أحد أبرز محاور المواجهة غير المباشرة، نظراً لدوره في الحفاظ على تدفق صادرات النفط الروسي إلى الأسواق العالمية رغم القيود المفروضة.
مع توسيع بريطانيا قائمة العقوبات لتشمل عشرات الكيانات والسفن، تتجه المواجهة الاقتصادية مع روسيا إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تتداخل أدوات الضغط المالي مع الإجراءات البحرية والاستخباراتية.
وفي ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، يبدو أن ملف العقوبات سيبقى مفتوحاً على مزيد من التصعيد، مع محاولات مستمرة من الطرفين لإعادة تشكيل خرائط التجارة والطاقة العالمية وفق مصالحهما الاستراتيجية.










