تصعيد سياسي علني بين واشنطن وتل أبيب بعد غارة دامية على بيروت وسط حرب لبنان واتفاق إيران–أميركا المرتقب
واشنطن – المنشر_الاخباري
شهدت قمة مجموعة السبع في فرنسا تطوراً سياسياً لافتاً بعد أن وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقادات علنية غير معتادة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية الغارة الإسرائيلية الأخيرة على الضاحية الجنوبية لبيروت، والتي وصفها بأنها “وحشية” و”تجاوزت الحدود”، داعياً تل أبيب إلى “مزيد من المسؤولية في التعامل مع لبنان”.
وتأتي هذه التصريحات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الحرب المستمرة في لبنان مع التقدم المعلن في اتفاق إطار بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء التصعيد الإقليمي، بما في ذلك الجبهة اللبنانية.
غارة بيروت تشعل التوتر السياسي
القصف الذي استهدف مبنى سكنياً في الضاحية الجنوبية لبيروت بتاريخ 14 يونيو/حزيران، أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم قيادي بارز في حزب الله، وإصابة أكثر من عشرة مدنيين، وفق حصيلة أولية. وقد أثار الهجوم موجة إدانات في لبنان، بالتزامن مع تحذيرات دولية من توسع رقعة الحرب.
ترامب، وخلال حديثه للصحفيين على هامش قمة السبع، لم يخفِ انزعاجه من العملية، قائلاً إنه شاهد موقع الاستهداف ونتائج الضربة، واصفاً إياها بأنها “قاسية بشكل مفرط”.
وأضاف: “لم يعجبني ما فعله نتنياهو. هذا الهجوم على مبنى سكني بسبب هدف صغير لا يبدو مبرراً. عندما ترى عائلات ومدنيين في الداخل، يجب أن يكون هناك قدر أكبر من الحذر”.
انتقاد مباشر لأسلوب الحرب الإسرائيلي في لبنان
وللمرة الأولى منذ تصاعد الحرب في لبنان، يوجّه ترامب انتقاداً مباشراً لطريقة العمليات العسكرية الإسرائيلية، مشيراً إلى أن تدمير مبانٍ كاملة في كل عملية استهداف “لا يمكن أن يكون مقبولاً حتى من منظور عسكري”.
وقال: “لا تحتاج إلى إسقاط مبنى بأكمله في كل مرة تبحث فيها عن شخص. هناك مدنيون، وهناك حدود يجب ألا تُتجاوز”.
وتعكس هذه التصريحات تحولاً في لهجة الخطاب الأميركي العلني، حتى وإن كانت واشنطن لا تزال تقدم دعماً سياسياً وعسكرياً واسعاً لإسرائيل في الصراع الإقليمي.
رسائل سياسية إلى نتنياهو: “كن أكثر مسؤولية”
في جزء آخر من حديثه، وجه ترامب رسالة مباشرة إلى نتنياهو قائلاً: “على بيبي أن يكون أكثر مسؤولية تجاه لبنان”، في إشارة إلى ضرورة ضبط العمليات العسكرية وعدم التصعيد في المناطق المدنية.
كما أشار إلى أن الحرب الجارية في لبنان “استمرت لفترة طويلة جداً”، وأن عدد الضحايا المدنيين “أصبح كبيراً للغاية”، داعياً إلى تقليل الخسائر البشرية في أي عمليات مستقبلية.
ورغم حدة الانتقادات، نفى ترامب وجود أي خلاف شخصي مع نتنياهو، مؤكداً أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب “استراتيجية”، لكنها لا تمنع “النقاش والاعتراض عندما تخرج الأمور عن السيطرة”.
خلفية إقليمية: اتفاق إيران–أميركا يضغط على الجبهة اللبنانية
تأتي هذه التطورات بالتزامن مع إعلان واشنطن وطهران التوصل إلى مسودة اتفاق (MoU) يُفترض أن ينهي الحرب على عدة جبهات، بما في ذلك لبنان، مع وقف العمليات العسكرية وفتح مسار تفاوضي جديد.
وبحسب التسريبات الرسمية التي نقلتها وسائل إعلام إيرانية، فإن الاتفاق يشمل وقفاً فورياً وشاملاً للأعمال القتالية، ورفع القيود البحرية، وإعادة فتح الممرات الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
ويرى مراقبون أن التصعيد الإسرائيلي في لبنان قد يهدد بتقويض هذا الاتفاق قبل توقيعه الرسمي، المقرر في سويسرا، ما دفع عدداً من الأطراف الدولية إلى الدعوة لضبط النفس.
موقف نتنياهو وصمت رسمي حتى الآن
حتى لحظة التصريحات، لم يصدر رد رسمي من مكتب نتنياهو على انتقادات ترامب، فيما تشير مصادر سياسية إسرائيلية إلى أن تل أبيب “تواصل عملياتها العسكرية ضد أهداف تعتبرها تهديداً مباشراً في لبنان”، دون الإشارة إلى نية لتقليص التصعيد.
وفي المقابل، تتصاعد الضغوط الدولية على إسرائيل مع اتساع رقعة الدمار في لبنان، وسط تحذيرات من أن استمرار العمليات قد يؤدي إلى انفجار إقليمي أوسع.
لبنان في قلب المواجهة
لبنان، الذي يعيش واحدة من أكثر فترات التوتر العسكري منذ سنوات، بات ساحة رئيسية في الصراع بين إسرائيل وحزب الله، وسط ضربات متبادلة وتوسع في نطاق العمليات الجوية.
وتؤكد مصادر لبنانية أن الغارات الإسرائيلية الأخيرة طالت مناطق سكنية وبنى تحتية مدنية، ما يزيد من الضغط الإنساني في البلاد، في وقت يعاني فيه الاقتصاد اللبناني من انهيار مستمر.
تحول في الخطاب الأميركي؟
يرى محللون أن تصريحات ترامب قد تعكس محاولة لإعادة ضبط الإيقاع السياسي في المنطقة، خصوصاً مع اقتراب توقيع اتفاق دولي جديد بين واشنطن وطهران، قد يعيد رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.
لكن في المقابل، يحذر آخرون من المبالغة في تفسير الموقف الأميركي، مشيرين إلى أن الخلافات بين واشنطن وتل أبيب غالباً ما تبقى ضمن حدود التكتيك، دون أن تمس التحالف الاستراتيجي العميق بين الطرفين.
خاتمة
بين انتقادات علنية غير مسبوقة من الرئيس الأميركي، وتصعيد عسكري إسرائيلي مستمر في لبنان، وتقدم في مسار اتفاق أميركي–إيراني، تبدو المنطقة أمام مرحلة إعادة تشكيل حساسة.
ويبقى السؤال المطروح في العواصم الدولية: هل تمثل تصريحات ترامب بداية تغيير فعلي في مقاربة واشنطن للحرب في لبنان، أم أنها مجرد رسالة ضغط ضمن لعبة تفاوض أكبر تتجاوز حدود بيروت وتل أبيب؟










