حكومة ويندهوك تدعو إلى دعم اقتصادي وطبي لهافانا وتصف العقوبات الأمريكية بأنها سبب أزمة خانقة في كوبا
لندن – المنشر الاخبارى
أطلقت حكومة ناميبيا حملة تضامن إنسانية واسعة لدعم كوبا، في خطوة سياسية وإنسانية تعكس موقفاً متصاعداً داخل عدد من الدول الإفريقية الرافضة للحصار الأمريكي المفروض على الجزيرة منذ أكثر من ستة عقود، والذي تعتبره هذه الدول سبباً رئيسياً في تفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعيشها كوبا حالياً.
ودعا رئيس الوزراء الناميبي تجيتونغا إيليا نغوراري المواطنين والشركات والمؤسسات المحلية إلى المشاركة في هذه الحملة، التي تهدف إلى جمع تبرعات ومساعدات مادية وطبية لدعم الشعب الكوبي، في ظل ما وصفه بـ”أزمة طاقة خانقة” ونقص حاد في الأدوية والمواد الأساسية.
وجاءت هذه الدعوة خلال لقاء جمع رئيس الوزراء بسفير كوبا لدى ناميبيا سيرجيو فيجوا دي لا أوز، حيث شدد الجانبان على عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، والتي تعود إلى مرحلة نضال حركات التحرر في جنوب القارة الإفريقية، حين لعبت كوبا دوراً عسكرياً وسياسياً في دعم حركات الاستقلال، بما في ذلك ناميبيا.
أزمة اقتصادية وإنسانية في كوبا
وخلال تصريحاته، قال رئيس الوزراء الناميبي إن كوبا تواجه “وضعاً إنسانياً صعباً للغاية” نتيجة استمرار العقوبات الأمريكية، مشيراً إلى أن السكان يعانون من انقطاعات متكررة للكهرباء قد تصل إلى 48 ساعة، إلى جانب نقص في الوقود والأدوية، ما أدى إلى تعطيل خدمات طبية أساسية في عدد من المستشفيات.
وأضاف أن هذه الظروف تستدعي تحركاً دولياً عاجلاً، ليس فقط على مستوى الحكومات، بل أيضاً عبر منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، من أجل تقديم الدعم الإنساني العاجل للجزيرة الكاريبية.
وأكد نغوراري أن موقف بلاده تجاه كوبا “ليس سياسياً فقط، بل أخلاقي وتاريخي أيضاً”، في إشارة إلى الدور الذي لعبته كوبا خلال فترة الكفاح ضد الاستعمار في إفريقيا، حيث شارك آلاف الكوبيين في دعم حركات التحرر، وهو ما لا تزال تراه ناميبيا جزءاً من ذاكرتها الوطنية.
حملة تضامن وطنية ودعم شعبي
الحملة التي أُطلقت هذا العام جاءت بمبادرة من جمعية الصداقة الناميبية الكوبية ومؤسسة سام نجوما، وتهدف إلى جمع تبرعات لشراء معدات طبية وأدوية أساسية ومساعدات إنسانية موجهة إلى القطاع الصحي في كوبا.
وبحسب بيانات أولية، تمكنت الحملة حتى الآن من جمع أكثر من 700 ألف دولار ناميبي، فيما أعلن رئيس الوزراء نفسه عن مساهمة شخصية لدعم المبادرة، في خطوة رمزية تهدف إلى تشجيع المشاركة الشعبية.
كما سبق لرئيسة الجمعية الوطنية في ناميبيا أن أطلقت مبادرة مماثلة خلال الأشهر الماضية، مؤكدة أن دعم كوبا يمثل “موقفاً وطنياً موحداً يتجاوز الانقسامات السياسية”، وأن العلاقات بين البلدين تقوم على تاريخ طويل من التعاون والتضامن.
جذور تاريخية للعلاقات الناميبية الكوبية
وتعود العلاقات بين ناميبيا وكوبا إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين شاركت كوبا في دعم حركات التحرر في إفريقيا عبر إرسال مستشارين عسكريين ومقاتلين إلى عدة مناطق، في سياق الصراع ضد الاستعمار ونظام الفصل العنصري في جنوب القارة.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن هذا الدور الكوبي ترك أثراً عميقاً في الذاكرة السياسية الناميبية، حيث يُنظر إلى تلك المرحلة باعتبارها أساساً للعلاقات الحالية بين البلدين، والتي تطورت لاحقاً إلى تعاون سياسي وإنساني مستمر.
وقال رئيس الوزراء الناميبي إن “دماء الكوبيين التي سالت من أجل الحرية في إفريقيا لا يمكن نسيانها”، في إشارة إلى مشاركة القوات الكوبية في صراعات التحرر الإقليمي.
مواقف رسمية وانتقادات دولية للحصار
على المستوى الرسمي، وصفت الرئيسة الناميبية نيتومبو ناندي ندايتواه الحصار الأمريكي المفروض على كوبا بأنه “غير مقبول” و”مؤسف للغاية”، مؤكدة أن استمرار هذه السياسة يفاقم من معاناة المدنيين ويؤثر بشكل مباشر على القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والصحة.
من جهته، أعرب الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل عن امتنانه للدعم الناميبي، مؤكداً أن كوبا “ليست وحدها في مواجهة التحديات”، وأن التضامن الدولي يلعب دوراً مهماً في تخفيف آثار العقوبات المستمرة.
ويأتي هذا الموقف في سياق دولي أوسع، حيث دأبت الجمعية العامة للأمم المتحدة على اعتماد قرارات متكررة تدعو إلى إنهاء الحصار الأمريكي على كوبا، وهو قرار يتجدد سنوياً بأغلبية واسعة، رغم أنه غير ملزم قانونياً.
أبعاد سياسية وإنسانية متداخلة
يرى مراقبون أن الحملة الناميبية تمثل أكثر من مجرد مبادرة إنسانية، إذ تعكس اتجاهاً متزايداً داخل بعض دول الجنوب العالمي لإعادة طرح ملف العقوبات الاقتصادية من زاوية إنسانية وأخلاقية، بعيداً عن الحسابات السياسية التقليدية.
وفي المقابل، تشير بعض التحليلات إلى أن هذه المبادرات قد تفتح الباب أمام مزيد من النقاش الدولي حول فعالية العقوبات طويلة الأمد، وتأثيرها على الشعوب مقارنة بالأنظمة السياسية المستهدفة.
كما تطرح هذه التطورات تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين دول الجنوب والدول الكبرى، في ظل تنامي الدعوات إلى نظام دولي أكثر توازناً في توزيع النفوذ الاقتصادي والسياسي.
خاتمة
بين التضامن الإنساني والرسائل السياسية، تعكس المبادرة الناميبية تجاه كوبا استمرار تأثير التاريخ المشترك بين البلدين، وتحول ملف العقوبات إلى قضية دولية تتجاوز البعد الثنائي بين هافانا وواشنطن، لتصبح جزءاً من نقاش عالمي أوسع حول العدالة الاقتصادية والسيادة الوطنية والحق في التنمية.
وفي ظل استمرار الحصار منذ أكثر من ستة عقود، يبقى مستقبل كوبا الاقتصادي مرتبطاً إلى حد كبير بمواقف المجتمع الدولي، ومدى قدرة مبادرات مثل هذه الحملة على تحويل التعاطف السياسي إلى دعم ملموس على الأرض.










