في أفينيون الفرنسية.. قادة العالم يبحثون عن قواعد جديدة وسط حروب مفتوحة وهدن هشة وإعادة ترتيب للتوازنات العالمية
باريس – المنشر_الاخباري
على ضفاف مدينة أفينيون الفرنسية، لا تبدو قمة مجموعة السبع هذا العام مجرد اجتماع اقتصادي تقليدي، بل محطة سياسية ثقيلة تعكس حجم التحولات الجارية في النظام الدولي، وسط تداخل أزمات كبرى تمتد من الحرب الروسية الأوكرانية إلى الاتفاق الأميركي الإيراني الغامض، مروراً بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
القادة الذين وصلوا إلى القمة يحملون معهم إرثاً من الحروب الممتدة، والاضطرابات الاقتصادية، والتحديات الأمنية التي أعادت طرح سؤال جوهري داخل أروقة الاجتماع: هل العالم يتجه نحو نظام دولي جديد أكثر استقراراً، أم نحو مرحلة طويلة من الهدن المؤقتة التي تخفي خلفها صراعات مفتوحة قابلة للانفجار في أي لحظة؟
إعادة ترتيب التوازنات الدولية: بين واشنطن وأوروبا وموسكو وطهران
في هذا السياق، يرى كبير الباحثين في المجلس الأطلسي في واشنطن سمير التقي أن قمة أفينيون تمثل محاولة جادة لإعادة صياغة التوازنات الدولية ووضع قواعد جديدة لإدارة الصراعات.
ويقول التقي إن القمة تعكس “محاولة لإعادة ترتيب الأوراق فيما يتعلق بالكبار”، مشيراً إلى أن الملفين الإيراني والأوكراني يفرضان نفسيهما بقوة على أجندة النقاشات.
ويضيف أن التحولات داخل المعسكر الغربي باتت واضحة، موضحاً أن أوروبا نجحت في الحفاظ على دعمها لأوكرانيا رغم التباينات مع الولايات المتحدة، في وقت شهدت فيه السياسة الأميركية تحولات في مقاربتها للحرب، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة صياغة أوسع للعلاقة عبر الأطلسي.
لكن التقي يلفت في المقابل إلى أن حل الأزمة الأوكرانية ما يزال بعيداً، قائلاً إن “ميزان القوى مختلف تماماً الآن”، وإن ما يمكن تحقيقه في المرحلة الحالية هو وضع قواعد جديدة للصراع الدولي أكثر من التوصل إلى تسوية نهائية.
حدود القوة العسكرية.. ورسائل إلى واشنطن وتل أبيب
وفي تحليل لافت، يركز التقي على مفهوم “حدود القوة”، محذراً من الاعتقاد بأن التفوق العسكري وحده كافٍ لتحقيق نتائج سياسية.
ويقول: “لا يكفي أن تملك الصواريخ والمدمرات والقدرة العسكرية المطلقة، إذا لم تمتلك جهازاً دبلوماسياً قادراً على تحويل الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية”.
ويرى أن هذا الدرس ينعكس بشكل مباشر على ملفات إقليمية حساسة، خصوصاً الملف الإيراني، حيث يشير إلى أن طهران تتحرك وفق مقاربة تفاوضية معقدة تربط بين ملفات متعددة تشمل الوجود العسكري الأجنبي في الخليج، ولبنان، والعقوبات الاقتصادية.
الاتفاق الأميركي الإيراني.. هدنة مؤقتة أم تسوية طويلة الأمد؟
في موازاة ذلك، يسلط الباحث في الشؤون الأميركية عوض البريكي الضوء على الاتفاق الأميركي الإيراني، واصفاً إياه بأنه “إطار تفاوضي” أكثر من كونه اتفاقاً نهائياً.
ويشير إلى أن أبرز ملامحه تشمل رفع بعض القيود الاقتصادية تدريجياً، وإعادة فتح قنوات تجارية وملاحية، بما في ذلك مضيق هرمز، مقابل التزام إيراني بسلوك معين خلال فترة زمنية محددة تمتد لنحو 60 يوماً.
لكن البريكي يحذر من هشاشة هذا التفاهم، قائلاً إنه يمثل “تجميداً للصراع لا نهايته”، متسائلاً عن السيناريوهات المحتملة في حال فشل الأطراف في التوصل إلى اتفاق نهائي خلال الفترة المحددة.
ويضيف أن كل طرف يدخل المفاوضات برواية مختلفة، ما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق مستدام أمراً معقداً، خاصة في ظل تراكم انعدام الثقة بين الأطراف الرئيسية.
تحولات الشرق الأوسط.. من الحروب المباشرة إلى الصراع على الاقتصاد والممرات
ويذهب البريكي إلى أبعد من ذلك في تحليله، معتبراً أن الحرب الأخيرة في المنطقة لم تقتصر على البعد العسكري، بل أعادت تشكيل خرائط التحالفات الإقليمية والدولية.
ويرى أن مراكز الثقل الاقتصادي، خصوصاً في الخليج العربي، أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الصراع، حيث ترتبط الاستهدافات والتوترات بشكل مباشر بالممرات الحيوية للطاقة والتجارة العالمية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
أوروبا تعيد اكتشاف القوة.. وألمانيا في قلب التحول
من برلين، يقدم عضو مجلس الأمن القومي في الحزب الحاكم الألماني الدكتور مصطفى العمار قراءة مختلفة، مؤكداً أن أوروبا دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها الأزمات الخارجية بعيدة عن أمنها المباشر.
ويقول إن القارة الأوروبية تواجه “ثلاث حروب في وقت واحد: الحرب الروسية، والتوتر مع إيران، والحرب الاقتصادية”، وهو ما دفعها لإعادة النظر في سياساتها الدفاعية.
ويشير إلى تحول مهم في الموقف الألماني تحديداً، مع زيادة الإنفاق العسكري والاستعداد للمشاركة في تأمين ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، في إطار رؤية جديدة تعتبر أن الأمن لم يعد قضية خارجية بل جزءاً من الأمن الأوروبي الداخلي.
نحو نظام دولي جديد أم فوضى منظمة؟
بين هذه القراءات المتعددة، تبدو قمة السبع وكأنها انعكاس لمرحلة انتقالية في النظام الدولي، حيث تتقاطع الحروب مع الاتفاقات المؤقتة، وتتشابك التحالفات القديمة مع ترتيبات جديدة لم تكتمل ملامحها بعد.
ورغم الحديث عن إعادة بناء القواعد الدولية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل العالم يتجه فعلاً نحو نظام أكثر استقراراً، أم أنه يدخل مرحلة طويلة من “الاستقرار الهش” الذي تحكمه الهدن المؤقتة وإعادة توزيع النفوذ تحت ضغط الأزمات؟










