في تحول جيوسياسي بدا وكأنه خارج حسابات مراكز الأبحاث الدولية، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، عن بعد، مذكرة تفاهم تاريخية تضع حدا للمواجهة العسكرية المباشرة وغير المباشرة بين البلدين، وتدشن مرحلة جديدة في الشرق الأوسط. هذا الاتفاق المفاجئ، الذي سمي بـ «مذكرة تفاهم إسلام آباد»، جاء ليسبق مراسم دبلوماسية كانت مقررة في سويسرا، فاتحا الباب أمام مفاوضات شاملة لإنهاء الملفات العالقة خلال مهلة زمنية قدرها ستون يوما.
وقد دخل الاتفاق حيز التنفيذ فور التوقيع، وفقا لما أكدته وزارة الخارجية الإيرانية، ليعلن انتهاء شامل لكافة العمليات العسكرية بين الجانبين، بما في ذلك جبهات القتال الإقليمية المتعددة.
توقيع عابر للقارات من «فرساي»
شهد قصر فرساي في فرنسا مشهدا تاريخيا، حيث قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتوقيع الوثيقة خلال حفل عشاء، في حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وعبر ماكرون عن تفاؤله بالخطوة، معتبرا إياها «تمهيدا لسلام دائم» ومؤكدا أن الاتفاق سيساهم في استقرار أسواق الطاقة العالمية وخفض الأسعار، وهو ما يلمس بشكل مباشر مصالح المواطنين في الدول الغربية.
وبالتزامن، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي لعب دور الوسيط، عبر حسابه على منصة «إكس»، أن المذكرة دخلت حيز التنفيذ فورا، معلنا عن فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية بشكل عاجل.
بنود «مذكرة إسلام آباد»: خارطة طريق للهدوء
تتألف الوثيقة، التي حصلت «رويترز» على نسخة منها، من 14 بندا مركزيا، تهدف إلى تهدئة الوضع الميداني وتثبيت الهدوء كقاعدة للمفاوضات السياسية.
أولا: وقف العمليات العسكرية والسيادة
ينص البند الأول على إنهاء فوري وشامل لكافة العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها الساحة اللبنانية، مع تعهد الطرفين وحلفائهم بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة، واحترام السيادة الوطنية لكل دولة. كما تم تحديد سقف زمني من 60 يوما للتوصل إلى اتفاق نهائي شامل.
ثانيا: التحرر البحري وأمن الملاحة
تلتزم الولايات المتحدة برفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية خلال 30 يوما. في المقابل، تتعهد إيران بضمان مرور السفن التجارية بأمان ودون فرض رسوم إضافية عبر مضيق هرمز وبحر عمان، مع العمل على إزالة الألغام وتفكيك العوائق العسكرية والتقنية لضمان عودة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب في غضون شهر واحد. كما ستفتح إيران حوارا إقليميا مع سلطنة عمان ودول الخليج لتنظيم إدارة الخدمات البحرية بما يتماشى مع القانون الدولي.
ثالثا: الانفراجة الاقتصادية والمالية
تعد الولايات المتحدة بوضع خطة استثمارية كبرى لإعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، مشروطة بآليات تنفيذ سيتم الاتفاق عليها لاحقا. كما تلتزم واشنطن بإنهاء كافة أنواع العقوبات، بما فيها تلك الصادرة عن مجلس الأمن والأحادية الأمريكية. وفور التوقيع، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءات تتيح لإيران تصدير النفط ومشتقاته، مع فك تجميد الأصول الإيرانية المجمدة، مما يمنح الاقتصاد الإيراني دفعة فورية وتنفسا ماليا يحتاجه بشدة.
الملف النووي ومستقبل المفاوضات
فيما يخص البرنامج النووي، أكدت طهران التزامها بعدم إنتاج أو تطوير أسلحة نووية، مع الموافقة على معالجة ملف المواد المخصبة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع خفض مستويات التخصيب. وقد أرجئت التفاصيل التقنية الدقيقة لهذه العملية إلى مفاوضات الاتفاق النهائي، مع تثبيت الوضع الحالي خلال المرحلة الانتقالية الحالية.
الضمانات الدولية
لضمان استمرارية هذا الاتفاق، نصت المذكرة على إنشاء «آلية تنفيذية مشتركة» للمراقبة، مشددة على أن الاتفاق النهائي يجب أن يحظى بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي، مما يضفي عليه غطاء قانونيا دوليا يحميه من التجاذبات السياسية الداخلية في البلدين.
بينما تتجه الأنظار الآن إلى سويسرا، حيث يجتمع وفدان فنيان من الجانبين، يسود تفاؤل حذر في العواصم العالمية، حيث يرى مراقبون أن هذه المذكرة تمثل نقطة تحول كبرى قد تنهي عقودا من العداء وتفتح آفاقا جديدة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، شريطة أن تصمد النوايا السياسية أمام اختبارات التنفيذ في الستين يوما المقبلة.
من “الفراعنة” إلى اتفاق إيران: كيف تقرأ إسرائيل “محنتها” الجديدة مع ترامب؟
من "الفراعنة" إلى اتفاق إيران: كيف تقرأ إسرائيل "محنتها" الجديدة...
Read moreDetails










