تقرير مشترك للفاو وبرنامج الأغذية العالمي يكشف تدهور الأمن الغذائي عالميًا مع انخفاض حاد في التمويل الإغاثي وارتفاع مستويات الجوع في مناطق النزاع
واشنطن- المنشر الإخباري
أطلقت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، تقريرًا إنسانيًا جديدًا حذّرت فيه من تزايد حدة أزمة الأمن الغذائي عالميًا، في ظل تداخل النزاعات المسلحة مع التدهور الاقتصادي وتراجع التمويل المخصص للمساعدات الإنسانية، ما ينذر بانزلاق ملايين الأشخاص نحو مستويات وصفت بـ”الكارثية” من الجوع.
وصنّف التقرير المشترك عددًا من الدول ضمن ما وصفه بـ”بؤر الجوع الساخنة”، وهي مناطق تواجه مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع خطر مباشر لحدوث مجاعة أو ارتفاع كبير في معدلات الوفيات المرتبطة بسوء التغذية. وجاءت أربع دول عربية في صدارة هذه القائمة، وهي: فلسطين، السودان، اليمن، والصومال، في مؤشر يعكس حجم التدهور الإنساني في الإقليم.
وأوضح التقرير أن استمرار الحروب والنزاعات الداخلية، إلى جانب الأزمات الاقتصادية الحادة، أسهم بشكل مباشر في انهيار أنظمة الإنتاج الغذائي وسلاسل الإمداد، ما جعل ملايين السكان يعتمدون بشكل كامل على المساعدات الإنسانية، في وقت تواجه فيه المنظمات الدولية عجزًا متزايدًا في الموارد.
وأشار التقرير إلى أن التمويل المخصص لبرامج الإغاثة الغذائية شهد تراجعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، حيث انخفض بنحو 60% بين عامي 2022 و2025، وهو ما وصفته المنظمات الأممية بأنه “فجوة خطيرة” تهدد قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتصاعدة، خصوصًا في مناطق النزاع.
وقال مدير تحليل الأمن الغذائي في برنامج الأغذية العالمي، جان مارتن باور، إن الوضع في عدد من الدول المدرجة ضمن التقرير بلغ مستويات مقلقة للغاية، موضحًا أن دولًا مثل السودان وجنوب السودان واليمن وفلسطين ونيجيريا والصومال تواجه أعلى درجات انعدام الأمن الغذائي، حيث يواجه السكان خطر المجاعة والموت في بعض المناطق الأكثر تضررًا.
وأضاف أن استمرار النزاعات المسلحة، إلى جانب ضعف البنية الاقتصادية وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، أدى إلى تفاقم الأزمة بشكل غير مسبوق، مشيرًا إلى أن التدخلات الإنسانية الحالية لم تعد كافية لوقف التدهور المتسارع في بعض المناطق.
وفي السودان، اعتبر التقرير أن البلاد تمثل النموذج الأكثر مأساوية ضمن الحالات التي تمت دراستها، حيث يواجه نحو 14 منطقة خطرًا مباشرًا من الجوع، خصوصًا في إقليم دارفور وجنوب كردفان، وسط توقعات باستمرار الأزمة حتى مطلع عام 2027 في حال استمرار القتال واتساع رقعة النزاع.
ووفق التقديرات الأممية، فإن عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات غذائية كارثية في السودان قد يصل إلى نحو 200 ألف شخص، مع تزايد حدة الأزمة خلال موسم الجفاف، وتراجع القدرة على إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.
أما في قطاع غزة، فقد أشار التقرير إلى أن خطر المجاعة لا يزال قائمًا رغم التغيرات الميدانية الأخيرة، موضحًا أن القطاع بأكمله يواجه تهديدًا حقيقيًا نتيجة استمرار القيود على إدخال المساعدات الإنسانية، وتراجع الإمدادات الغذائية الأساسية، ما يفاقم من معاناة السكان المدنيين.
ولفت التقرير إلى أن غزة شهدت خلال الفترة الماضية واحدة من أسوأ موجات انعدام الأمن الغذائي، وسط تحذيرات من أن أي تراجع إضافي في تدفق المساعدات قد يؤدي إلى انهيار كامل للوضع الإنساني، خاصة في ظل ارتفاع أعداد النازحين واعتماد غالبية السكان على الدعم الخارجي.
وفي اليمن، استعرض التقرير استمرار واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يواجه ملايين السكان مستويات متقدمة من الجوع وسوء التغذية، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وانخفاض قيمة العملة المحلية، إضافة إلى نقص التمويل الموجه للمنظمات الإنسانية العاملة في البلاد.
وحذر التقرير من أن نسبة المحتاجين للمساعدات الغذائية قد ترتفع بشكل إضافي خلال الفترة المقبلة، خصوصًا في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 9% من السكان قد يحتاجون إلى دعم غذائي عاجل بنهاية العام الجاري.
أما في الصومال، فقد عاد الوضع الإنساني إلى التدهور مجددًا، حيث أدرج التقرير بعض مناطقه ضمن مستويات الخطر القصوى، في ظل استمرار النزاعات المحلية وتفاقم آثار الجفاف المتكرر، الذي أثر بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية، وهما المصدران الرئيسيان للغذاء في البلاد.
وأكد التقرير أن تداخل الأزمات المناخية مع النزاعات المسلحة جعل الصومال عرضة لموجات جوع متكررة، وسط صعوبة في توفير استجابة إنسانية مستدامة، في ظل محدودية الموارد وتراجع الدعم الدولي.
وشددت الفاو وبرنامج الأغذية العالمي على أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى توسع رقعة الجوع عالميًا خلال السنوات المقبلة، داعين المجتمع الدولي إلى زيادة التمويل الإنساني بشكل عاجل، وتعزيز آليات الاستجابة السريعة، خاصة في الدول الأكثر تضررًا.
كما دعا التقرير إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، وعلى رأسها النزاعات المسلحة، والانهيار الاقتصادي، وتغير المناخ، باعتبارها عوامل مترابطة تسهم في إنتاج أزمات غذائية مزمنة يصعب احتواؤها عبر المساعدات الطارئة فقط.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن العالم يواجه “لحظة حرجة” في ملف الأمن الغذائي، وأن الفشل في سد فجوة التمويل الإنساني سيؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في أعداد الجوعى خلال السنوات المقبلة، مع احتمال دخول مناطق جديدة ضمن دائرة الخطر إذا استمرت الأزمات الحالية دون حلول سياسية واقتصادية مستدامة.










