تصعيد عسكري مرتقب بعد دعوة عبد الملك الحوثي لإنهاء الوجود الأجنبي جنوبا وشرقا.. والسلطات في صنعاء تتحدث عن جاهزية غير مسبوقة وقوات قبلية ضخمة استعدادا لمعركة قد تعيد رسم خريطة اليمن
صنعاء – المنشر_الاخباري
مع دخول الحرب اليمنية عامها الثاني عشر، تتجه الأنظار مجددا نحو صنعاء التي أطلقت إشارات قوية إلى قرب مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، في خطوة قد تمثل أكبر تحول ميداني منذ سنوات. فبعد دعوة زعيم جماعة أنصار الله عبد الملك الحوثي إلى اتخاذ خطوات عملية لإنهاء ما وصفه بالاحتلال الأجنبي وفك الحصار المفروض على البلاد، بدأت المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة لحكومة صنعاء الحديث بلغة مختلفة، عنوانها “الاستعداد للحسم”.
التطور الجديد لا يتعلق فقط بالتصريحات السياسية أو الخطابات التعبوية، بل يتجاوز ذلك إلى تحركات ميدانية واسعة النطاق، شملت رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف عمليات التعبئة العامة، وإعلان استعداد مئات الآلاف من المقاتلين للمشاركة في أي مواجهة مقبلة.
وترى أوساط يمنية أن هذه المؤشرات تعكس قناعة متزايدة لدى قيادة صنعاء بأن مرحلة الانتظار الطويلة لم تعد مجدية، وأن الوقت حان للانتقال من سياسة الاحتواء إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، خصوصا في ظل المتغيرات الإقليمية التي تشهدها المنطقة بعد التفاهمات الأميركية الإيرانية الأخيرة.
تعبئة غير مسبوقة
بحسب بيانات رسمية صادرة عن قوات التعبئة العامة التابعة لوزارة الدفاع في صنعاء، فقد تم رفع مستوى الاستعداد العسكري إلى درجات متقدمة، مع التأكيد على الجاهزية لتنفيذ عمليات واسعة تستهدف إنهاء الحصار المفروض على البلاد منذ عام 2015.
وتحدثت السلطات عن امتلاكها احتياطيا بشريا ضخما يمكن الدفع به إلى الجبهات في أي لحظة، مؤكدة أن برامج التدريب والتأهيل العسكري استمرت خلال السنوات الماضية بوتيرة متصاعدة.
وتشير تقديرات متداولة في وسائل إعلام مقربة من صنعاء إلى أن عدد المتطوعين الذين خضعوا لتدريبات عسكرية خلال الفترة الأخيرة يقترب من مليون شخص، في رقم يعكس حجم التعبئة الشعبية التي تراكمت على مدار سنوات الحرب.
كما شهدت محافظات عدة، من بينها صنعاء وعمران وحجة والجوف وذمار، استعراضات ومسيرات عسكرية قبلية أعلنت خلالها القبائل استعدادها للمشاركة في أي معركة مقبلة.
معركة كسر الحصار
الحصار الذي تتحدث عنه صنعاء ليس مجرد قضية سياسية بالنسبة لليمنيين، بل ملف يرتبط مباشرة بالأوضاع الإنسانية والاقتصادية التي عانى منها البلد طوال أكثر من عقد.
فمنذ اندلاع الحرب في مارس 2015، فرض التحالف الذي قادته السعودية قيودا واسعة على الموانئ والمطارات اليمنية، ما تسبب في أزمات متلاحقة شملت الغذاء والدواء والوقود.
ورغم التهدئة النسبية التي شهدتها البلاد منذ عام 2022، فإن ملف الحصار ظل أحد أبرز نقاط الخلاف بين صنعاء والرياض، إذ تعتبره السلطات اليمنية السبب الرئيسي في استمرار المعاناة الاقتصادية وتدهور الخدمات.
ومن هنا تبدو الدعوات الأخيرة مرتبطة بمحاولة فرض معادلة جديدة عنوانها أن إنهاء الحصار لن يبقى رهنا بالمفاوضات السياسية فقط، بل قد يتحول إلى هدف عسكري مباشر.
الجنوب في قلب المواجهة
اللافت في الخطاب الأخير لقيادة أنصار الله أنه لم يركز فقط على ملف الحصار، بل أعاد تسليط الضوء على الوجود العسكري الأجنبي في المحافظات الجنوبية والشرقية.
وتتهم صنعاء الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفاءهما الإقليميين بالاحتفاظ بنفوذ عسكري وأمني واسع في مناطق استراتيجية، تشمل موانئ ومواقع حيوية على سواحل البحر العربي وخليج عدن.
وبحسب مراقبين، فإن أي تحرك عسكري جديد قد يتركز في هذه المناطق أكثر من الجبهات التقليدية التي شهدت القتال خلال السنوات الماضية.
ويرى هؤلاء أن صنعاء تسعى إلى تحويل قضية السيادة الوطنية إلى عنوان رئيسي للمرحلة المقبلة، مستفيدة من تصاعد المشاعر المعادية للتدخلات الخارجية داخل قطاعات واسعة من المجتمع اليمني.
متغيرات إقليمية مؤثرة
لا يمكن فصل التصعيد اليمني المحتمل عن التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
فالتفاهمات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتغيرات التي طرأت على أولويات القوى الإقليمية، خلقت بيئة سياسية مختلفة عن تلك التي كانت سائدة قبل سنوات.
كما أن الحرب الإسرائيلية على غزة وما تبعها من انخراط مباشر لأنصار الله في استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، عززت مكانة الجماعة إقليميا ومنحتها زخما سياسيا وشعبيا إضافيا.
وتعتقد أوساط قريبة من صنعاء أن اللحظة الحالية قد تكون الأنسب لفرض معادلات جديدة، في ظل انشغال القوى الدولية بأزمات متعددة، وتراجع الرغبة في الانخراط بحروب طويلة ومكلفة.
هل يعود اليمن إلى الحرب الشاملة؟
السؤال الأبرز اليوم يتمثل في ما إذا كانت هذه التحركات تمهد فعلا لعودة الحرب الواسعة، أم أنها مجرد ورقة ضغط جديدة لتحسين شروط التفاوض.
بعض المحللين يرون أن صنعاء تحاول توجيه رسالة واضحة إلى خصومها مفادها أن استمرار الوضع الراهن لم يعد مقبولا، وأن لديها القدرة على نقل المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيدا إذا لم تتحقق مطالبها.
في المقابل، يخشى آخرون من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى نسف سنوات من التهدئة الهشة، وإعادة اليمن إلى دوامة المواجهات المفتوحة التي دفعت البلاد ثمنا باهظا لها.
ومع ذلك، فإن المؤكد حتى الآن هو أن صنعاء تتحدث بلغة مختلفة، وأن ملف الحصار والوجود الأجنبي عاد بقوة إلى واجهة المشهد اليمني.
وبينما تستمر عمليات الحشد والتعبئة، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت البلاد تقف بالفعل على أعتاب معركة جديدة، أم أن هذه التحركات ستبقى في إطار الضغط السياسي والعسكري دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.










