شهادات برلمانية تكشف تقاطع السياسة والاستخبارات والاقتصاد في تعطيل تحذيرات مبكرة من كارثة الفاشر وتورط شبكات تسليح عابرة للحدود
لندن – المنشر_الاخباري
كشفت شهادات صادمة أدلى بها خبراء في حقوق الإنسان ومسؤولون بحثيون أمام لجنة التنمية الدولية في البرلمان البريطاني، عن ما وصفوه بـ”تواطؤ سياسي خطير” داخل دوائر صنع القرار في لندن، تمثل في إخفاء أو تعطيل معلومات استخباراتية حساسة حول الانتهاكات واسعة النطاق في السودان، وذلك بهدف حماية العلاقات الاستراتيجية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، رغم التحذيرات المتكررة من وقوع مجازر ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
وخلال جلسة استماع عقدت في وستمنستر، قدّم ناثانيال ريموند، مدير مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل، رواية مفصلة عن ما وصفه بـ”فشل ممنهج في الاستجابة المبكرة” لتحذيرات سبقت سقوط مدينة الفاشر بيد قوات الدعم السريع في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وهي العملية التي أعقبتها أحداث دموية واسعة النطاق خلّفت عشرات الآلاف من القتلى، وفق تقديراته التي أشار فيها إلى رقم لا يقل عن 60 ألف ضحية مدنية.
وأكد ريموند أمام النواب أن الاستخبارات والبيانات الميدانية التي كانت بحوزة السلطات البريطانية لم تُستخدم بالشكل المطلوب، بل جرى تجاهلها أو تهميشها في مراحل حساسة، مرجعاً ذلك إلى “حسابات سياسية واقتصادية تتعلق بالعلاقات مع الإمارات”، التي تُعد أحد أبرز الشركاء الاستراتيجيين للمملكة المتحدة في الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن فريقه البحثي قدّم بيانات تتبع دقيقة للهواتف المحمولة وربط شبكات لوجستية تمتد بين أديس أبابا وأبوظبي ومناطق سيطرة قوات الدعم السريع داخل السودان، وهو ما اعتبره دليلاً على وجود “مسارات دعم غير مباشر” تشمل تهريب أو إمداد مواد ذات استخدامات عسكرية محتملة، رغم النفي الرسمي المتكرر من جانب أبوظبي وأديس أبابا.
وتضمنت الشهادة أيضاً اتهامات خطيرة تفيد بأن وزارة الخارجية البريطانية طلبت في مايو/أيار 2024 من الباحثين نشر بعض البيانات الحساسة بشكل علني، في وقت كانت فيه الحكومة غير مستعدة للدخول في مواجهة مباشرة مع الإمارات أو فتح ملف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة في السودان داخل القنوات الدبلوماسية المغلقة.
وبحسب ريموند، فإن هذا القرار ساهم في “تأخير الاستجابة الدولية” ومنح الأطراف المسلحة مساحة زمنية إضافية لإعادة تنظيم عملياتها العسكرية قبل الهجوم على الفاشر، الذي اعتبره واحداً من أكثر الأحداث دموية في الحرب السودانية المستمرة.
وخلال الجلسة، تم عرض إشارات إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2736، الذي فُسّر على أنه فتح نافذة مؤقتة لخفض التصعيد، حيث توقفت العمليات العسكرية لفترة قصيرة، قبل أن تُستأنف الهجمات مجدداً بعد ما وصفه الشاهد بأنه “اختبار لمدى جدية المجتمع الدولي”، والذي فشل – وفق قوله – في فرض أي عواقب رادعة.
وأشار الباحث إلى أن الحكومات البريطانية المتعاقبة، سواء في عهد ريشي سوناك أو كير ستارمر، تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية مشتركة بسبب استمرار سياسة “إدارة الأزمة بدل منعها”، وهو ما أدى إلى تفاقم الوضع الإنساني وارتفاع أعداد الضحايا والنازحين بشكل غير مسبوق.
كما استندت الشهادات إلى تقارير إعلامية دولية، من بينها تحقيق نشرته هيئة الإذاعة البريطانية BBC، ربط بين الإمارات وشبكات مرتزقة كولومبيين عُرفوا باسم “ذئاب الصحراء”، زُعم أنهم لعبوا دوراً في دعم عمليات عسكرية عبر الطائرات المسيّرة والمدفعية لصالح قوات الدعم السريع خلال معركة الفاشر.
وفي السياق ذاته، قال الباحث جاستن لينش، مدير مجموعة Conflict Insights، إن “حجم الدمار في الفاشر لا يمكن فصله عن دعم تقني ولوجستي خارجي”، مضيفاً أن القدرات الجوية غير التقليدية التي ظهرت خلال الهجوم تشير إلى وجود أطراف ثالثة توفر خبرات أو معدات متقدمة.
وأظهرت تحليلات صور الأقمار الصناعية التي أجرتها جامعة ييل لاحقاً مؤشرات تتسق مع وقوع عمليات قتل جماعي وتدمير واسع للبنية السكنية، فيما وصفت الأمم المتحدة الوضع في الفاشر بأنه يحمل “سمات متوافقة مع الإبادة الجماعية”، ما زاد من الضغوط الدولية لفتح تحقيق مستقل.
وتفتح هذه التطورات الباب أمام أزمة دبلوماسية محتملة بين لندن وأبوظبي، في حال تم تثبيت صحة الاتهامات، خصوصاً أن العلاقات بين البلدين تشمل استثمارات ضخمة وتعاوناً أمنياً وعسكرياً واسع النطاق، ما يجعل ملف السودان اختباراً حساساً لتوازنات السياسة الخارجية البريطانية في إفريقيا والشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن هذه القضية قد تتحول إلى أحد أكبر ملفات المساءلة البرلمانية في بريطانيا خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تزايد الدعوات لفتح تحقيق مستقل حول دور الحكومة في التعامل مع معلومات الاستخبارات الخاصة بالسودان، ومدى تأثير المصالح الخارجية على القرارات الإنسانية.
وفي المقابل، لم يصدر تعليق رسمي فوري من الحكومة البريطانية على هذه الاتهامات، بينما تواصل الإمارات نفي أي صلة لها بدعم قوات الدعم السريع أو أي طرف في النزاع السوداني، مؤكدة التزامها بالقانون الدولي.
وتبقى الأزمة السودانية، في ظل هذه الاتهامات، واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في إفريقيا، حيث تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية مع الصراع الجيوسياسي على النفوذ في البحر الأحمر وشرق القارة، وسط تحذيرات من أن استمرار التدخلات الخارجية قد يدفع البلاد إلى مزيد من التفكك والانهيار.










