الأمين العام لحلف الناتو مارك روته يكشف عن طفرة غير مسبوقة في طلبات التسلح الأوروبية والكندية من الولايات المتحدة، مؤكدًا أن هذا الارتفاع الضخم في الإنفاق الدفاعي يعزز الترابط عبر الأطلسي ويدعم استمرار التزام واشنطن بأمن أوروبا.
لندن – المنشر_الاخباري
كشف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته أن موجة إعادة التسلح الأوروبية والكندية أسهمت في خلق طلبات عسكرية ضخمة في الولايات المتحدة تُقدَّر قيمتها بنحو 300 مليار دولار، ما أدى إلى تراكم غير مسبوق في الطلبات لدى شركات الصناعات الدفاعية الأميركية، ودعم ما يقارب 200 ألف وظيفة داخل قطاع الدفاع الأميركي.
وجاءت تصريحات روته في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز، حيث أوضح أن هذا الحجم الكبير من الطلبات يعكس تحولًا استراتيجيًا في منظومة الأمن عبر الأطلسي، ويشكل في الوقت نفسه عنصرًا اقتصاديًا مهمًا يمكن أن يساعد في ضمان استمرار التزام الولايات المتحدة بقيادة الناتو.
وتأتي هذه التصريحات قبل قمة حلف الناتو المقررة في العاصمة التركية أنقرة خلال يوليو، والتي من المتوقع أن تناقش مستقبل توزيع الأعباء الدفاعية بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وسط ضغوط سياسية متزايدة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدفع الحلفاء إلى زيادة إنفاقهم العسكري.
وأوضح روته أن الزيادة الكبيرة في ميزانيات الدفاع الأوروبية خلال السنوات الأخيرة جاءت نتيجة عاملين رئيسيين، أولهما استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، وثانيهما مطالب واشنطن المتكررة بضرورة تحمل أوروبا مسؤولية أكبر في تأمين نفسها.
وأشار إلى أن هذا التحول أدى إلى سباق واسع لشراء الأسلحة الأميركية، ما خلق ضغطًا كبيرًا على خطوط الإنتاج في الولايات المتحدة، حيث وصلت شركات الدفاع إلى حدود قدرتها التشغيلية القصوى، في ظل الطلبات المتراكمة من أوروبا وكندا وحلفاء آخرين.
وبحسب التقديرات التي عرضها الأمين العام للناتو، فإن الإنفاق الدفاعي الإضافي للدول الأعضاء خلال العامين الماضيين بلغ نحو 250 مليار دولار، إلا أن القدرة الإنتاجية للصناعات العسكرية لم تواكب هذا الارتفاع، ما تسبب في اختناقات كبيرة في سلاسل التوريد وتأخير تسليم بعض المعدات العسكرية.
وحذر روته من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مزيد من التأخير في تلبية احتياجات الجيوش الأوروبية، داعيًا شركات السلاح الأميركية إلى زيادة الإنتاج بدلًا من رفع الأسعار، من أجل ضمان استقرار الإمدادات العسكرية للحلف.
كما أشار إلى أن بعض الدول الأوروبية بدأت بالفعل بالبحث عن بدائل خارج السوق الأميركية، بما في ذلك التوجه نحو كوريا الجنوبية للحصول على معدات عسكرية، في ظل التأخير المستمر في تسليم بعض الأنظمة الدفاعية المتقدمة.
ورغم ذلك، شدد روته على أن القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية تبقى “غير قابلة للاستبدال” داخل منظومة الناتو، نظرًا لما تمتلكه من قدرات تكنولوجية وإنتاجية لا يمكن للدول الأخرى مجاراتها في المدى القريب، على حد تعبيره.
وأضاف أن أوروبا لا يمكنها بمفردها توفير نفس مستوى القدرات العسكرية الأميركية، سواء من حيث النوعية أو الحجم، ما يجعل استمرار التعاون عبر الأطلسي عنصرًا حاسمًا في استراتيجية الردع الجماعي للحلف.
وفي سياق متصل، أشار روته إلى أن القارة الأوروبية تمثل أيضًا منصة أساسية لعمليات الانتشار العسكري الأميركي، موضحًا أن القواعد والبنية التحتية الأوروبية ساعدت في تنفيذ آلاف الطلعات الجوية للقوات الأميركية خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس عمق الترابط العسكري بين الجانبين.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه الحلف نقاشات داخلية متزايدة حول مستقبل توزيع الأدوار الأمنية، خاصة مع تصاعد التوترات الدولية وتعدد جبهات الصراع، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى رفع ميزانياتها الدفاعية بشكل غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة.
ويرى مراقبون أن الأرقام التي كشفها روته تهدف أيضًا إلى توجيه رسالة سياسية لواشنطن، مفادها أن استمرار الدعم الأميركي للناتو لا يحقق فقط أهدافًا أمنية، بل ينعكس أيضًا بشكل مباشر على الاقتصاد الأميركي وسوق العمل، عبر دعم مئات آلاف الوظائف في قطاع الصناعات الدفاعية.
ويُتوقع أن تشكل هذه المعطيات أحد الملفات الأساسية المطروحة على طاولة قمة أنقرة، في ظل سعي الحلف للحفاظ على تماسكه الداخلي وسط تحديات جيوسياسية واقتصادية متزايدة.










