الرئيس السوري أحمد الشرع يعيّن آخر 70 عضواً في مجلس انتقالي من 210 مقاعد، تمهيداً لبدء مرحلة دستورية جديدة، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات بشأن تركّز السلطة وضعف التمثيل السياسي.
دمشق – المنشر_الاخباري
أكمل الرئيس السوري أحمد الشرع تشكيل أول برلمان في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، عبر تعيين الدفعة الأخيرة من أعضاء المجلس الانتقالي، في خطوة تُعدّ مفصلية ضمن مسار الانتقال السياسي الذي أعلنته السلطات الجديدة.
وبحسب مصادر رسمية، فقد أصدر الشرع مرسوماً رئاسياً يقضي بتعيين 70 عضواً جديداً، ليُستكمل بذلك تشكيل مجلس مكوّن من 210 مقاعد، يُفترض أن يشكّل السلطة التشريعية المؤقتة في البلاد خلال المرحلة الانتقالية.
ويأتي هذا التطور بعد انهيار النظام السابق في ديسمبر 2024، وما تبعه من حلّ البرلمان الذي كان يُنظر إليه على أنه “مجلس صوري” يفتقر إلى الاستقلالية السياسية، ليبدأ بعدها مسار إعادة بناء المؤسسات الدستورية في البلاد.
ومن المقرر أن يعقد المجلس الجديد أولى جلساته الأسبوع المقبل، في لحظة تعتبرها السلطات السورية “نقطة تحول” في مسار إعادة بناء الدولة، حيث سيتولى المجلس مهمة تشكيل لجنة خاصة لصياغة دستور جديد للبلاد، يُفترض أن يكون أساساً لمرحلة انتقالية تمتد لعدة سنوات.
آلية تشكيل مثيرة للجدل
أثار تشكيل البرلمان الجديد جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والحقوقية، خصوصاً فيما يتعلق بآلية اختيار أعضائه، والتي تعتمد على مزيج من التعيين الرئاسي والاختيار عبر لجان محلية.
وبحسب تفاصيل العملية، فإن 140 عضواً تم اختيارهم عبر لجان محلية مرتبطة بهيئة انتخابية تم تعيينها مسبقاً من قبل الرئاسة، بينما قام الرئيس الشرع بتعيين الثلث المتبقي من أعضاء المجلس بشكل مباشر.
وتقول السلطات إن هذه الآلية “مرحلية وضرورية” في ظل الظروف الأمنية والسياسية التي تمر بها البلاد، مؤكدة أن الهدف منها هو ضمان الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي إلى حين إجراء انتخابات عامة شاملة.
لكن منتقدين يرون أن هذا النموذج يمنح السلطة التنفيذية نفوذاً واسعاً على المؤسسة التشريعية، ما يثير تساؤلات حول استقلالية البرلمان وقدرته على ممارسة الرقابة الفعلية.
تمثيل نسائي ومشاركات رمزية
شملت التعيينات الأخيرة 15 امرأة ضمن القائمة الجديدة، إلى جانب أكاديميين وشخصيات من خلفيات اجتماعية متنوعة، بينها عائلات لضحايا الحرب السورية.
كما ضمّت القائمة 13 شخصية سبق أن كانت معتقلة في سجون النظام السابق، من بينهم قادة سابقون في فصائل معارضة، إضافة إلى شخصيات معارضة في المنفى عاد بعضها إلى البلاد بعد سنوات من الغياب.
ومن أبرز الأسماء التي تم تعيينها، القائد السابق في فصيل “أحرار الشام” حسن صوفان، والمعارض في المنفى أنس العبدة، إلى جانب الناشط المسيحي غابرييل موشي غوراييه.
كما شملت التعيينات شخصيات مدنية مثل الناشطة عائشة الدبس، المسؤولة عن شؤون المرأة في الحكومة الانتقالية، بالإضافة إلى مشاركة فنية لافتة تمثلت في انضمام الممثلة روزينا لازكاني.
تحديات التمثيل الوطني
رغم ما تعتبره الحكومة “خطوة نحو بناء مؤسسات الدولة”، إلا أن آلية تشكيل البرلمان واجهت انتقادات تتعلق بغياب تمثيل بعض المكونات السياسية والاجتماعية بشكل عادل.
ففي المناطق ذات الغالبية الكردية شمال البلاد، لم تكتمل عملية التصويت المحلي إلا بعد اتفاقات اندماج مع دمشق، وهو ما دفع بعض القوى الكردية إلى رفض نتائج العملية واعتبارها غير تمثيلية.
كما لا تزال محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية خارج التمثيل الفعلي في المقعد المحلي، بعد تعليق العمليات الانتخابية هناك نتيجة توترات أمنية طائفية شهدتها المنطقة العام الماضي.
وفي محاولة لمعالجة هذا الفراغ، قام الرئيس الشرع بتعيين قائد فصيل محلي درزي ضمن القائمة، إلا أن هذا التعيين قوبل برفض من بعض الجهات المحلية التي تعتبره غير ممثل للمجتمع الدرزي في السويداء.
تركيز السلطة وانتقادات دولية
على المستوى الدولي، أعربت منظمات حقوقية عن قلقها من الطريقة التي تم بها تشكيل البرلمان، معتبرة أنها تعكس “تركّزاً كبيراً للسلطة” في يد المؤسسة التنفيذية، وضعفاً في آليات التوازن والرقابة.
وتشير هذه المنظمات إلى أن غياب انتخابات مباشرة شاملة حتى الآن يحدّ من شرعية المؤسسة التشريعية، رغم اعترافها بأن الظروف الانتقالية قد تفرض حلولاً مؤقتة.
في المقابل، تؤكد السلطات السورية أن البرلمان الحالي ليس سوى “مرحلة انتقالية مؤقتة”، وأن الهدف النهائي هو الوصول إلى انتخابات عامة بعد استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية.
اختبار المرحلة الانتقالية
يرى محللون أن تشكيل البرلمان يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة الحرب إلى بناء مؤسسات سياسية مستقرة.
ويشير هؤلاء إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في تشكيل المؤسسات، بل في قدرتها على العمل باستقلالية، وتجاوز إرث الحرب والانقسامات السياسية والطائفية التي تراكمت خلال السنوات الماضية.
كما يُتوقع أن يلعب المجلس الجديد دوراً محورياً في صياغة الدستور المقبل، وهو ما سيحدد شكل النظام السياسي السوري في المستقبل، سواء من حيث توزيع السلطات أو طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف.
بين الطموح السياسي للانتقال إلى مرحلة جديدة، والانتقادات المتعلقة بآليات التمثيل وتوازن السلطات، يدخل البرلمان السوري الجديد مرحلة حساسة ستكون اختباراً حقيقياً لمسار ما بعد الأسد.
فبينما ترى فيه السلطات خطوة تأسيسية نحو إعادة بناء الدولة، يعتبره معارضون محطة انتقالية لا تزال تفتقر إلى شروط التمثيل الديمقراطي الكامل، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات سياسية متعددة.










