مقترح غير مسبوق يهدف لإعادة تنظيم أحد أهم الممرات البحرية في العالم عبر آلية “رسوم خدمة” وسط رفض أمريكي وخلافات إقليمية واسعة.
مسقط- المنشر_الاخباري
قدمت سلطنة عُمان مقترحاً رسمياً إلى الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين يتضمن إنشاء إطار مشترك مع إيران لفرض رسوم خدمة على السفن التجارية المارة عبر مضيق هرمز، في خطوة تُعد تحولاً لافتاً في إدارة واحد من أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط والطاقة في العالم.
ويستند المقترح العُماني إلى نموذج مشابه لما هو معمول به في مضيقي ملقا وسنغافورة، حيث تُجمع مساهمات مالية—غالباً طوعية—من شركات الشحن لتمويل خدمات السلامة البحرية ومكافحة التلوث وضمان أمن الملاحة. ويأتي ذلك في ظل تداعيات إقليمية متزايدة أعقبت الحرب الأخيرة التي أثرت على أمن الممرات البحرية في الخليج.
وبحسب مصادر دبلوماسية نقلتها تقارير غربية، فإن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي دافع عن المبادرة باعتبارها محاولة “تنظيمية” تهدف إلى تعزيز سلامة الملاحة وليس فرض ضرائب أو رسوم عبور غير قانونية، مشدداً على التمييز بين الرسوم المرتبطة بالخدمات البحرية وبين “التوليفات الضريبية” التي قد تُعتبر انتهاكاً للقانون الدولي.
خلافات حول آلية التنفيذ
ورغم الطابع التوافقي الظاهري للمقترح، إلا أن الخلافات بين مسقط وطهران لا تزال قائمة حول آلية التنفيذ. ففي حين تصر عُمان على أن أي رسوم يجب أن تكون طوعية وتخضع لإطار دولي يضمن الشفافية، ترى إيران أن النموذج يجب أن يتضمن التزاماً إلزامياً من جميع السفن العابرة، بما يضمن تدفقاً مالياً ثابتاً لتمويل إدارة الممر البحري.
ويعكس هذا الخلاف تبايناً أوسع في الرؤية بين الجانبين حول مستقبل إدارة أحد أكثر الممرات حساسية في العالم، والذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، خصوصاً القادمة من دول الخليج العربي.
رفض أمريكي وضغوط دولية
الولايات المتحدة، على لسان مسؤولين في الإدارة الحالية، رفضت بشكل واضح أي محاولة لفرض رسوم على الملاحة في مضيق هرمز، مؤكدة أن واشنطن تتمسك بعودة الوضع إلى ما قبل الحرب، حين كان المضيق ممرًا دولياً مفتوحاً دون أي تكاليف إضافية.
وأكد مسؤولون أمريكيون أن أي “تسعير” لعبور المضيق سواء عبر رسوم أو مساهمات إلزامية أو طوعية مشروطة، يمثل سابقة غير مقبولة في القانون البحري الدولي، وقد يفتح الباب أمام توترات إضافية في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
موقف إقليمي منقسم
المقترح العُماني لم يلقَ قبولاً واسعاً داخل المنطقة، حيث أعربت دول خليجية منتجة للنفط عن تحفظات واضحة. فقد عبّر مسؤولون سعوديون عن رفضهم لفكرة إعادة تشكيل قواعد الملاحة في المضيق، معتبرين أن فرض أي نموذج مالي جديد قد يخلق سابقة تؤثر على حرية التجارة الدولية.
وتشير هذه الانقسامات إلى تعقيد المشهد الإقليمي، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية، في وقت لا تزال فيه تداعيات الصراع الإقليمي الأخير تلقي بظلالها على طرق التجارة العالمية.
دور المنظمات الدولية
في المقابل، أبدت منظمات دولية مثل المنظمة البحرية الدولية استعداداً مبدئياً لدراسة المقترح من زاوية تقنية، خصوصاً إذا تم صياغته ضمن إطار “صندوق طوعي” يهدف إلى تحسين السلامة البحرية وحماية البيئة.
وترى هذه الجهات أن نماذج مشابهة مطبقة بالفعل في مناطق أخرى من العالم يمكن أن تشكل أساساً لتجربة جديدة في الخليج، شرط التوافق بين الدول المعنية وعدم تحويل الرسوم إلى أداة سياسية أو ضغط اقتصادي.
إيران: نحو تطبيق أحادي إذا فشل الاتفاق
من جانبها، ألمحت إيران إلى أنها قد تمضي في تنفيذ ترتيبات منفردة في حال عدم التوصل إلى اتفاق ثنائي أو متعدد الأطراف، وهو ما يثير مخاوف إضافية لدى شركات الشحن العالمية من احتمالات فرض رسوم غير موحدة أو تغييرات مفاجئة في قواعد المرور.
ويأتي هذا التوجه في سياق تصاعد الرغبة الإيرانية في إعادة صياغة قواعد إدارة المضيق بما يعزز نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي، خاصة بعد التوترات العسكرية الأخيرة في المنطقة.
أهمية استراتيجية مضيق هرمز
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية القادمة من الخليج، ما يجعله نقطة ضغط جيوسياسية بالغة الحساسية. وأي تغيير في قواعد الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وأسعار النفط.
وبالتالي، فإن أي مقترح لإعادة تنظيمه—حتى لو كان تحت عنوان “رسوم خدمة”—يثير تلقائياً نقاشاً واسعاً بين القوى الدولية الكبرى والدول المنتجة للطاقة وشركات الشحن العالمية.
بين الطرح العُماني الساعي إلى إيجاد إطار تنظيمي جديد، والرفض الأمريكي الصارم، والتحفظات الخليجية، والموقف الإيراني الداعي إلى إلزامية الرسوم، يبدو أن مستقبل مضيق هرمز يدخل مرحلة جديدة من الجدل الدولي.
ورغم أن المقترح لم يصل بعد إلى صيغة نهائية قابلة للتنفيذ، إلا أنه يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول كيفية إدارة الممرات البحرية الاستراتيجية في عالم يشهد تحولات أمنية واقتصادية متسارعة، حيث تتداخل التجارة العالمية مع حسابات القوة والنفوذ الإقليمي.










