في الوقت الذي ينصب فيه تركيز المحللين وصناع القرار على “الهلال الإيراني” التقليدي الذي يربط طهران ببغداد ودمشق وبيروت، تتشكل في الخفاء ملامح استراتيجية إيرانية جديدة ومختلفة تماما.
ولا يعتمد التوسع الإيراني على ميليشيات مسلحة أو أيديولوجيا متشددة، بل على “بنية جيوسياسية” قائمة على المصالح المتبادلة والبراغماتية الاقتصادية، تهدف إلى اختراق مصر، وصولا إلى ليبيا الغنية بالنفط.
من الأيديولوجيا إلى “الاستثمار المصلحي”
على عكس شبكة المحور الإيراني المعتادة، تعتمد الشبكة الجديدة على استغلال الثروات السيادية للعراق، وتحديدا عائدات النفط التي تسيطر عليها أطراف موالية لطهران.
و يرى مراقبون، كما أشار “ميدل إيست فوروم”، أن إيران تستخدم رأس المال العراقي كأداة لاختراق البنية التحتية الدبلوماسية والاقتصادية لمصر، مستغلة حالة الهشاشة الاقتصادية التي تعاني منها القاهرة.
هذا التحول في الآلية لا يهدف إلى تحويل مصر إلى دولة تابعة، بل إلى “تسهيل عبور” واستغلال المرونة العملياتية. فمنذ عام 2022، منحت الحكومات العراقية، في عهد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، فرصا اقتصادية وعقودا ضخمة لرجال أعمال مصريين مقربين من الدائرة الضيقة للسلطة في القاهرة.
ورغم أن هذا المشهد صنف داخليا في العراق كجزء من “الفساد المعتاد”، إلا أن تحليلات الشبكات تشير إلى أن هذه العقود ليست سوى “أصول ذات استخدام مزدوج”، تحول الاتفاقيات التجارية إلى أدوات تمكينية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الإيرانية.
الاقتصاد كمدخل للنفوذ
تعاني مصر من ضغوط مالية خانقة، وتكاليف أمنية باهظة للحفاظ على استقرار حدودها الغربية مع ليبيا. وفي ظل هذه الأزمات، وجدت القاهرة نفسها مضطرة للبحث عن رؤوس أموال خارجية، وهو ما فتح الباب أمام “خزينة بغداد” الممولة إيرانيا.
إن هذا الدعم الاقتصادي ليس مجانيا، بل يأتي بشروط سياسية غير معلنة. إيران لا تسعى لإعلان تحالف سياسي صريح قد يثير غضب القوى الإقليمية الأخرى، بل تسعى للوصول إلى “موطئ قدم” استراتيجي.
ليبيا: الجائزة الكبرى
لماذا هذا الاهتمام الإيراني بمصر؟ الإجابة تكمن في ليبيا، إن الوصول إلى مصر يعني تأمين ممر حيوي باتجاه الدولة الليبية الممزقة، التي تمثل بيئة أمنية متساهلة وغنية بثروات نفطية هائلة.
فإذا نجحت إيران في تأمين هذا “الممر الغربي”، فإنها ستتمكن من ترسيخ وجودها في حوض البحر الأبيض المتوسط، مما يغير قواعد اللعبة الإقليمية تماما.
الفساد العراقي الذي يستخدم لتمويل هذه المشاريع هو جهد إيراني محكم لضمان الوصول، وبسط النفوذ دون تعريض طهران لتبعات دبلوماسية مباشرة. هذا النموذج يعتمد على “الدبلوماسية الاقتصادية” لتجاوز العوائق التي كانت تحول سابقا دون تمدد النفوذ الإيراني.








