كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” في تقرير استقصائي لها، أن محادثات السلام الجارية بين إيران والولايات المتحدة تواجه عوائق داخلية معقدة، نتيجة صراع نفوذ حاد داخل طهران يهدد بانهيار المسار الدبلوماسي برمته.
وبحسب مسؤولين مطلعين على كواليس المفاوضات، فإن حكومة الرئيس مسعود بزشكيان تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع طهران “الموازية” المتمثلة في الحرس الثوري، مما يضع مستقبل الاتفاق المبدئي في مهب الريح.
ثنائية الأزمة: الاقتصاد في مقابل النفوذ العسكري
تسعى حكومة بزشكيان جاهدة إلى الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، خاصة في قطر، في محاولة يائسة لتخفيف الضغوط الاقتصادية الخانقة التي أعقبت التوترات العسكرية الأخيرة.
وفي هذا السياق، أكد إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، أن عملية الإفراج عن الأصول بدأت بالفعل، مشيراً إلى خطة تقضي باستعادة 6 مليارات دولار من أصل 12 ملياراً محتجزة في المصارف القطرية.
في المقابل، يتخذ الحرس الثوري الإيراني موقفاً معاكساً تماماً، حيث يضع “السيطرة المطلقة” على مضيق هرمز كأولوية قصوى تتقدم حتى على الانفراجة الاقتصادية.
وتشير التقارير إلى أن الحرس الثوري يصر على إنشاء آلية خاصة لتحصيل رسوم عبور من السفن الدولية التي تعبر الممر المائي الاستراتيجي، وهو مطلب ترفضه واشنطن وحلفاؤها بشكل قاطع.
المضيق.. “ورقة الضغط” الأخيرة
ووفقاً للمعلومات التي أوردتها “وول ستريت جورنال”، فقد أبلغ الحرس الثوري الوسطاء الدوليين بشكل صريح أنه مستعد لإغلاق مضيق هرمز مجدداً، حال عدم تلقي ضمانات دولية قاطعة بتكريس السيادة الإيرانية الكاملة على الممر.
كما وجه الحرس تهديداً بوقف خطة الولايات المتحدة الرامية إلى تأمين مسار ملاحي جنوبي للمضيق يمر عبر المياه العمانية، معتبراً أن ذلك يمثل انتهاكاً لنفوذ إيران الإقليمي.
ويرى الحرس الثوري في مضيق هرمز “ورقة المساومة” الأهم في أي اتفاق مع الغرب، لدرجة أنه جعل من الحصول على الأموال المجمدة أولوية ثانوية مقابل فرض هيمنته على الملاحة الدولية.
وبحسب مراقبين، فإن الهجمات الأخيرة التي طالت سفناً في مياه عُمان كانت بمثابة رسالة ميدانية واضحة من الحرس الثوري، تؤكد استعداده للمخاطرة بانهيار عملية السلام برمتها إذا شعر بأي تهديد لاحتكاره للسيطرة على المضيق.
تعقيدات محادثات الدوحة
تأتي هذه التطورات في وقت تستعد فيه الدوحة لاستضافة جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة بحضور وفود رفيعة المستوى، بينهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر عن الجانب الأمريكي. وستتركز الأجندة بشكل أساسي على وضع آليات تنفيذية لاتفاق السلام، وضمان حق إيران في الوصول إلى أصولها المالية.
وعلى الرغم من التصريحات الإيرانية المتفائلة، إلا أن الواقع يبدو أكثر تعقيداً؛ حيث أكد ماجد الأنصاري، المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، أن الأموال الإيرانية المجمدة لم تُحول بعد إلى طهران، مما يعزز التكهنات بأن الملف لا يزال مرهوناً بتفاهمات أمنية معقدة تتجاوز الجانب المالي.
مستقبل الاتفاق: صراع وجودي داخل طهران
يعكس هذا الانقسام صراعاً وجودياً داخل هيكلية الحكم في إيران، حيث يحاول “التيار البراغماتي” بقيادة بيزكيان انتزاع انتصار اقتصادي يحمي النظام من التداعيات الاجتماعية والانهيار المالي، بينما يصر “التيار المتشدد” في الحرس الثوري على الحفاظ على العقيدة العسكرية التوسعية، حتى لو كان ثمن ذلك استمرار الحصار الاقتصادي.










