لكنيست يدفع مشروع قانون يمنح دراسة التوراة مكانة دستورية بعد تعديل بند مثير للجدل.. وقدامى المحاربين يهاجمون الحكومة بسبب أزمة التجنيد ونقص القوات خلال الحرب
تل أبيب- المنشر_الاخباري
في خضم أزمة سياسية واجتماعية متصاعدة داخل إسرائيل، وافقت لجنة الدستور والقانون في الكنيست على دفع مشروع قانون مثير للجدل يمنح دراسة التوراة مكانة خاصة باعتبارها “قيمة أساسية” في الدولة، بعد اتفاق بين حكومة بنيامين نتنياهو والأحزاب الدينية الحريدية على تعديل بند تسبب في اعتراضات قانونية وسياسية واسعة.
ويفتح مشروع القانون، الذي يدعمه ائتلاف نتنياهو، الباب أمام مواجهة جديدة حول قضية تجنيد اليهود الحريديم في الجيش الإسرائيلي، وهي من أكثر الملفات حساسية داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة في ظل الحرب المستمرة والنقص المتزايد في أعداد الجنود.
وكانت الأحزاب الحريدية، وعلى رأسها حزب “شاس” وحزب “يهدوت هتوراة”، قد مارست ضغوطاً على الحكومة خلال الفترة الماضية، مهددة بتعطيل مشاريع قوانين الائتلاف إذا لم يتم تسريع تمرير التشريعات التي تدعم موقفها بشأن طلاب المعاهد الدينية.
وبعد مفاوضات مع نتنياهو، تم الاتفاق على حذف بند كان ينص على أن دراسة التوراة تهدف إلى “تحقيق التوازن بين القيم الأساسية” في إسرائيل، وهو البند الذي أثار انتقادات من المستشارين القانونيين بسبب إمكانية تفسيره باعتباره مساواة بين طلاب المعاهد الدينية والجنود الذين يؤدون الخدمة العسكرية.
ورغم حذف العبارة المثيرة للجدل، يرى معارضون داخل الكنيست وخارجه أن التغيير لا يمس جوهر القانون، وأن الهدف الأساسي منه هو تعزيز الوضع القانوني لطلاب المدارس الدينية الذين لا يؤدون الخدمة العسكرية، مع استمرار حصولهم على امتيازات ودعم حكومي.
معركة داخل الكنيست بسبب الجنود
وشهد اجتماع اللجنة البرلمانية توتراً غير مسبوق، بعدما قاطع عدد من قدامى المحاربين الإسرائيليين المصابين باضطرابات ما بعد الصدمة مناقشة القانون، مطالبين الحكومة بالاهتمام بأوضاع الجنود قبل تمرير أي تشريعات تمنح امتيازات جديدة للأحزاب الدينية.
وتوجه أحد المحاربين القدامى إلى رئيس حزب “يهدوت هتوراة” يتسحاق جولدكنوبف، مطالباً الحكومة بالتحرك لمساعدة الجنود الذين يعانون من آثار الحرب، بدلاً من التركيز على قوانين تخدم فئة دينية محددة.
وقال أحد الجنود المحتجين خلال الجلسة: “أنتم تقدمون الوعود منذ ست سنوات.. إلى متى سيستمر ذلك؟ لقد دفعنا الثمن بدمائنا”.
وأدى الاحتجاج إلى توقف جلسة اللجنة لفترة قصيرة قبل استئناف النقاش حول مشروع القانون.
أزمة التجنيد تعود إلى الواجهة
ويأتي الجدل حول القانون في وقت يواجه فيه الجيش الإسرائيلي أزمة حادة في القوى البشرية، بعد أكثر من عامين من الحرب، حيث تحتاج المؤسسة العسكرية إلى أعداد إضافية من الجنود لتعويض الخسائر وتلبية متطلبات العمليات المستمرة.
ويطالب الجيش منذ فترة طويلة بتوسيع دائرة التجنيد لتشمل قطاعات من المجتمع الحريدي، في حين ترفض الأحزاب الدينية هذه الخطوة، معتبرة أن دراسة التوراة تمثل ركناً أساسياً من الهوية اليهودية ويجب حمايتها.
وتحول ملف تجنيد الحريديم إلى أزمة سياسية كبرى داخل حكومة نتنياهو، حيث تهدد الأحزاب الدينية في أكثر من مناسبة بالانسحاب من الائتلاف إذا تم فرض التجنيد على طلاب المعاهد الدينية.
تحذيرات قانونية من منح امتيازات للمتخلفين عن الخدمة
وكانت المستشارة القانونية للكنيست، ساجيت أفِيك، قد حذرت من أن الصياغة السابقة للقانون قد تؤدي إلى منح الحريديم الذين يرفضون الخدمة العسكرية امتيازات مشابهة لتلك التي يحصل عليها جنود الاحتياط، وهو ما اعتبرته إشكالية قانونية.
وطالبت بتعديل التشريع ليصبح ذا طابع رمزي وإعلاني فقط، دون أن يؤدي إلى آثار قانونية تمنح إعفاءات أو مزايا إضافية لمن لا يؤدون الخدمة العسكرية.
لكن منتقدي القانون يقولون إن الصياغة الجديدة، رغم حذف بعض العبارات، لا تزال تحمل رسالة سياسية واضحة تتمثل في تثبيت مكانة دراسة التوراة داخل النظام القانوني الإسرائيلي، في وقت تتزايد فيه المطالب بتحقيق مساواة في تحمل أعباء الخدمة العسكرية.
نتنياهو يحاول الحفاظ على تماسك الائتلاف
ويُنظر إلى دعم نتنياهو للقانون باعتباره محاولة للحفاظ على تحالفه مع الأحزاب الحريدية، التي تمثل شريحة أساسية من ائتلافه الحكومي.
وكانت الأحزاب الدينية قد عطلت سابقاً بعض التصويتات الحكومية احتجاجاً على عدم تقدم قوانينها الخاصة، ما وضع الائتلاف أمام خطر أزمة سياسية جديدة.
ويحاول نتنياهو تمرير أكبر عدد ممكن من القوانين قبل نهاية الدورة الصيفية للكنيست، وسط استعدادات سياسية للمرحلة المقبلة والانتخابات القادمة.
المحكمة العليا تضغط على الحكومة
وتأتي هذه التطورات بعد قرارات للمحكمة العليا الإسرائيلية طالبت الحكومة باتخاذ خطوات عملية ضد المتهربين من الخدمة العسكرية، بما في ذلك تقليص بعض الامتيازات المالية وبدء إجراءات قانونية بحق من يرفضون التجنيد.
كما حذر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير من أن استمرار أزمة القوى البشرية قد يهدد قدرة الجيش على أداء مهامه، داعياً إلى إيجاد حل سريع لملف التجنيد.
وبينما ترى الأحزاب الحريدية أن القانون يحمي هوية إسرائيل الدينية، يرى خصومها أنه يعمق الانقسام الداخلي ويزيد الفجوة بين من يخدمون في الجيش ومن يحصلون على إعفاءات.
ومع اقتراب القانون من مراحله النهائية في الكنيست، تبدو قضية “دراسة التوراة” مرشحة لأن تتحول إلى واحدة من أكبر ساحات الصراع السياسي داخل إسرائيل، في ظل مواجهة بين الحكومة التي تسعى للحفاظ على ائتلافها، والجيش والعائلات التي تطالب بتوزيع أكثر عدلاً لأعباء الحرب.










