معركة جديدة بين القصر الرئاسي والحكومة الليبرالية بعد رفض قوانين التعايش.. والجدل يعيد الانقسام الاجتماعي في قلب أوروبا إلى الواجهة
وارسو- المنشر_الاخباري
أشعل الرئيس البولندي كارول ناوروكي مواجهة سياسية واجتماعية جديدة في البلاد بعد استخدامه حق النقض ضد مشروعَي قانون كانا يهدفان إلى منح حقوق قانونية أوسع للأزواج غير المتزوجين، بما في ذلك الأزواج من نفس الجنس، في قرار اعتبرته منظمات حقوقية ضربة قوية لمسار الإصلاحات التي وعدت بها حكومة رئيس الوزراء دونالد توسك.
وكانت القوانين المرفوضة تهدف إلى إنشاء إطار قانوني يعرف باسم “عقود التعايش”، يسمح لشخصين بالغين بتنظيم عدد من الحقوق المشتركة، مثل إدارة الممتلكات، والحصول على المعلومات الطبية في حالات الطوارئ، وتسوية بعض الإجراءات المتعلقة بالوفاة والدفن.
ورغم أن هذه القوانين لم تكن تمنح الزواج المدني للأزواج المثليين، فإن الرئيس ناوروكي اعتبر أنها تفتح الباب أمام إنشاء مؤسسة قانونية مشابهة للزواج، وهو ما يتعارض، بحسب رأيه، مع الدستور البولندي الذي يعرّف الزواج بأنه اتحاد بين رجل وامرأة.
وقال ناوروكي إن حماية “المكانة الخاصة للزواج” تمثل واجباً دستورياً بالنسبة له، مؤكداً أنه لا يستطيع الموافقة على تشريعات يرى أنها تغير مفهوم الأسرة في القانون البولندي.
وجاء قرار الرئيس ليكشف عمق الانقسام السياسي في بولندا، حيث تحاول حكومة توسك، المدعومة من قوى مؤيدة للاتحاد الأوروبي، تمرير إصلاحات اجتماعية جديدة، بينما يواصل التيار المحافظ القومي مقاومة أي تغييرات يرى أنها تهدد القيم التقليدية.
وكان توسك قد وصل إلى السلطة عام 2023 متعهداً بإحداث تغييرات واسعة في ملفات الحقوق المدنية، من بينها حقوق مجتمع الميم وقوانين الإجهاض، لكن حكومته اصطدمت منذ البداية بصلاحيات الرئيس ورفض الأحزاب المحافظة لبعض هذه الإصلاحات.
وحصلت مشاريع القوانين على دعم من مختلف أطراف الائتلاف الحكومي، حتى من حزب الفلاحين البولندي المحافظ نسبياً، الذي كان قد عارض في السابق مقترحات أكثر توسعاً خشية تأثيرها على مفهوم الزواج التقليدي.
لكن تجاوز الفيتو الرئاسي يبدو شبه مستحيل، إذ يحتاج البرلمان إلى أغلبية الثلثين لإسقاطه، وهي أغلبية لا يملكها الائتلاف الحاكم في ظل رفض قوى المعارضة القومية للمشروع.
وانتقدت كاتارزينا كوتولا، المسؤولة الحكومية المكلفة بملف المساواة، قرار الرئيس بشدة، قائلة إنه تجاهل ملايين الأشخاص الذين يعيشون في علاقات غير رسمية ويحتاجون إلى حماية قانونية أساسية.
وأضافت أن الحكومة ستواصل البحث عن طرق لضمان حصول هذه الفئات على أكبر قدر ممكن من الحقوق، خصوصاً بعد أحكام أوروبية أجبرت بولندا على الاعتراف ببعض الحقوق المتعلقة بالزيجات المثلية المسجلة في دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي.
من جهتها، قالت منظمة “الحملة ضد رهاب المثلية” في بولندا إن قرار الرئيس أظهر أن حتى الحد الأدنى من الحقوق القانونية للأزواج غير المتزوجين ما زال يواجه رفضاً سياسياً قوياً.
وتُعد بولندا من أكثر دول الاتحاد الأوروبي تحفظاً بشأن حقوق المثليين، حيث لا تعترف بالزواج المثلي أو الشراكات المدنية، رغم تزايد الضغوط من المؤسسات الأوروبية ومنظمات حقوق الإنسان لإجراء تغييرات تشريعية.
ويرى محللون أن المعركة حول هذه القوانين ليست مجرد خلاف قانوني، بل جزء من صراع أوسع على هوية بولندا السياسية، بين تيار محافظ يريد الحفاظ على النموذج التقليدي للأسرة، وقوى ليبرالية تسعى إلى مواءمة البلاد مع الاتجاهات الحقوقية السائدة في أوروبا.
ومع استمرار المواجهة بين الرئاسة والحكومة، يبدو أن ملف الحريات الاجتماعية سيبقى أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في مستقبل السياسة البولندية خلال السنوات المقبلة.










