بروكسل تمنح خمس دول كاريبية مهلة حتى 2028 لإنهاء برامج الجنسية مقابل الاستثمار أو مواجهة إلغاء الإعفاء من التأشيرة الأوروبية
لندن – المنشر_الاخباري
تواجه خمس دول في منطقة شرق البحر الكاريبي ضغوطًا متزايدة من الاتحاد الأوروبي، بعد مطالبة بروكسل بإنهاء برامج منح الجنسية مقابل الاستثمار، محذرة من أن استمرار هذه السياسة قد يؤدي إلى فقدان مواطني تلك الدول حق السفر إلى دول منطقة شنغن دون تأشيرة.
ووفق تقارير إعلامية، أبلغت المفوضية الأوروبية حكومات أنتيغوا وبربودا، دومينيكا، غرينادا، سانت كيتس ونيفيس، وسانت لوسيا بضرورة إلغاء برامج “الجواز مقابل المال” قبل يونيو/حزيران 2028، وإلا فإن الاتحاد الأوروبي قد يعيد فرض قيود على دخول مواطنيها إلى أراضيه.
وتشكل الخطوة الأوروبية ضربة محتملة لاقتصادات تعتمد بشكل كبير على هذه البرامج باعتبارها مصدرًا مهمًا للإيرادات وتمويل مشاريع التنمية، خصوصًا في ظل محدودية الموارد الطبيعية واعتماد العديد من هذه الدول على السياحة والخدمات المالية.
جواز سفر مقابل الاستثمار.. برنامج اقتصادي يثير الجدل
تعتمد دول الكاريبي منذ سنوات نظامًا يسمح للأجانب بالحصول على جنسيتها مقابل استثمارات مالية، سواء عبر شراء عقارات، أو تقديم مساهمات مباشرة لصناديق حكومية، أو ضخ أموال في مشاريع اقتصادية.
وتبدأ قيمة بعض هذه الاستثمارات من نحو 200 ألف دولار، مقابل الحصول على جواز سفر يمنح صاحبه إمكانية السفر إلى أكثر من 140 دولة ومنطقة حول العالم، بينها دول أوروبية عديدة دون الحاجة إلى تأشيرة مسبقة.
ولا تشترط معظم هذه البرامج إقامة طويلة داخل الدولة أو الانتقال للعيش فيها، وهو ما جعلها جذابة لرجال الأعمال والأثرياء الباحثين عن جنسية ثانية لأسباب تتعلق بحرية التنقل أو حماية الأصول المالية.
لكن هذه الميزة نفسها أصبحت مصدر قلق لدى الاتحاد الأوروبي، الذي يرى أن سهولة الحصول على هذه الجوازات قد تستغل من قبل أشخاص يسعون للتهرب من العقوبات أو إخفاء مصادر أموال غير مشروعة.
مخاوف أمنية وراء القرار الأوروبي
يقول الاتحاد الأوروبي إن برامج الجنسية الاستثمارية تمثل تحديًا لمنظومة أمن الحدود الأوروبية، بسبب ضعف إجراءات التدقيق في بعض الحالات.
وتخشى بروكسل من إمكانية استغلال هذه البرامج في:
- غسل الأموال.
- التحايل على العقوبات الدولية.
- منح أشخاص ذوي خلفيات جنائية إمكانية السفر بحرية.
- استخدام جوازات جديدة لإخفاء هوية أصحابها الحقيقية.
ورغم اعتراف المفوضية الأوروبية بأن دول الكاريبي أدخلت إصلاحات لتحسين عمليات التحقق الأمني، فإنها ترى أن سرعة منح الجنسية وانخفاض معدلات رفض الطلبات لا تزال تثير مخاوف كبيرة.
وتشير بيانات أوروبية إلى أن الدول الخمس أصدرت أكثر من 100 ألف جواز سفر عبر هذه البرامج خلال السنوات الماضية.
اقتصادات مهددة بخسارة مصدر دخل أساسي
ترى حكومات الكاريبي أن الاتحاد الأوروبي لا يأخذ بعين الاعتبار أهمية هذه البرامج بالنسبة إلى اقتصاداتها الصغيرة.
وتظهر بيانات اقتصادية أن عائدات الجنسية الاستثمارية شكلت نسبة مهمة من الناتج المحلي الإجمالي لبعض هذه الدول، حيث بلغت في المتوسط نحو 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي للدول الخمس خلال الفترة بين 2019 و2023.
وفي بعض الحالات كانت النسبة أكبر بكثير، إذ تجاوزت مساهمة هذه البرامج 30% من الناتج المحلي الإجمالي في دومينيكا خلال عام 2022، بينما شكلت جزءًا كبيرًا من الإيرادات الحكومية غير الضريبية في دول أخرى مثل أنتيغوا وبربودا.
وتؤكد حكومات المنطقة أن الأموال الناتجة عن بيع الجنسية ساعدت في تمويل مشاريع البنية التحتية، والإسكان، والتعليم، والرعاية الصحية، إضافة إلى مواجهة آثار الأعاصير والكوارث الطبيعية التي تضرب هذه الدول الجزرية بشكل متكرر.
الكاريبي تدافع عن برامجها
رفضت دول المنطقة اعتبار برامج الجنسية الاستثمارية خطرًا أمنيًا، مؤكدة أنها طورت آليات رقابة أكثر صرامة خلال السنوات الأخيرة.
وقال مسؤولون إقليميون إن منح الجنسية مقابل الاستثمار ليس نظامًا خاصًا بالكاريبي فقط، مشيرين إلى أن العديد من دول العالم تطبق أشكالًا مختلفة من الإقامة أو الجنسية المرتبطة بالاستثمار.
وترى الحكومات الكاريبية أن حرية السفر إلى أوروبا كانت عامل جذب لهذه البرامج، لكنها لم تكن السبب الرئيسي لإنشائها، إذ جاءت أساسًا لتعويض ضعف الموارد الاقتصادية للدول الصغيرة.
انتقادات دولية متزايدة
في المقابل، يواصل منتقدو هذه الأنظمة الضغط من أجل إنهائها، معتبرين أن الجنسية يجب ألا تتحول إلى سلعة يمكن شراؤها.
ويقول خبراء في مكافحة الفساد إن المشكلة الأساسية ليست في منح الجنسية بحد ذاته، بل في الامتيازات العالمية التي يمنحها جواز السفر، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى مناطق اقتصادية كبرى دون تأشيرات.
وقد اتخذت دول غربية أخرى خطوات مشابهة، حيث شددت بريطانيا إجراءات السفر على مواطني بعض الدول التي تطبق هذه البرامج، كما ألغت برنامج “التأشيرة الذهبية” الخاص بها عام 2022 بسبب مخاوف مرتبطة بغسل الأموال والفساد.
معركة بين الأمن الأوروبي وحق الدول الصغيرة في التمويل
تمثل المواجهة بين الاتحاد الأوروبي ودول شرق الكاريبي صراعًا بين رؤيتين مختلفتين؛ الأولى تركز على حماية أمن الحدود ومنع استغلال أنظمة السفر، والثانية ترى أن الدول الصغيرة لها الحق في البحث عن مصادر دخل بديلة لدعم اقتصاداتها.
ومع اقتراب مهلة 2028، ستجد حكومات الكاريبي نفسها أمام خيار صعب: التخلي عن أحد أهم مصادر التمويل لديها، أو المخاطرة بخسارة امتياز السفر دون تأشيرة إلى أوروبا.
وقد تحدد المفاوضات المقبلة مستقبل واحد من أكثر أنظمة الهجرة الاستثمارية انتشارًا في العالم، وسط صراع بين المال والأمن والسيادة الوطنية.











