تمكّنت السلطات البوليفية، في عملية أمنية وقضائية واسعة، من تفكيك شبكة منظمة متورطة في “الاتجار بالبشر”، كانت تنشط في استقطاب وتجنيد مواطنين بوليفيين للعمل كمرتزقة وإرسالهم إلى الخطوط الأمامية للقتال إلى جانب الجيش الروسي في أوكرانيا.
وتكشف هذه التطورات، بحسب مصادر سياسية وأمنية لاتينية مطلعة، عن أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية قد تجاوزت الجغرافيا الأوراسية لتتغلغل بعمق في القارة اللاتينية.
وجاءت هذه العملية النوعية عقب موجة من البلاغات الرسمية والاحتجاجات الشعبية في بوليفيا التي نفذتها عائلات الضحايا أمام مقرّ منظمة الشرطة الدولية “الإنتربول” في مدينة “سانتا كروز دي لا سييرا” البوليفية، مطالبين بالكشف عن مصير أبنائهم.
تحقيقات موسعة واعتقالات
وباشرت النيابة العامة البوليفية 4 تحقيقات جنائية موسعة شملت 3 أقاليم رئيسة هي: سانتا كروز، بيني، وتاريخا. وأسفرت هذه التحقيقات حتى الآن عن اعتقال 3 أشخاص متورطين بشكل مباشر في شبكة التجنيد وإيداعهم السجن الاحتياطي، بينما تتواصل جهود الإنتربول والملاحقة الدولية لزعيمة الشبكة التي يعتقد أنها تدير عملياتها عبر الحدود.
منظومة تجنيد تستهدف الفقراء
وفي تفكيكها لأسلوب عمل الشبكة، تشير المصادر الإعلامية البوليفية إلى أنّ الأخيرة تعتمد على مخططات احتيالية دقيقة تستهدف الطبقات الفقيرة والمناطق الريفية. ويُقدّم السماسرة للمستهدفين وعوداً براقة ومغرية بالحصول على فرص عمل وهمية في مجالات البناء والزراعة داخل روسيا، مع إغراءات مالية كبيرة ومكافآت قد تصل إلى 20,000 دولار أمريكي.
وبعد نجاح عملية الاستقطاب، يتم نقل المجندين عبر رحلات طويلة تمر بالبرازيل، مروراً بنقاط عبور في تركيا، وصولاً إلى الأراضي الروسية. وفور وصولهم، يُجبر الضحايا على توقيع عقود عسكرية ملزمة باللغة الروسية، تحوّلهم، رسمياً وقانونياً، من عمال مفترضين إلى جنود مشاة في صفوف القوات المسلحة الروسية، ليجدوا أنفسهم في أتون الحرب.
وفيما تُقدّر النّيابة العامّة البوليفية عدد الضحايا الموثقين حتّى اللحظة بنحو 16 مواطناً بوليفياً، تشير تقارير حقوقية دولية مقلقة إلى أنّ أمد الحياة المتوقع للجنود الأجانب الذين يزجّ بهم في خطوط القتال الروسية الأولى لا يتجاوز معدّله 150 يوماً.
أمريكا اللاتينية: خزّان بشري للصراع
وتؤكد التحقيقات الجارية في بوليفيا صحة التقارير الصحفية والأمنية السابقة التي كشفت عن وجود منظومة تجنيد روسية ممنهجة تطال المنطقة الأمريكية اللاتينية بأكملها. وبات من الواضح أنّ استهداف المواطنين في بوليفيا عبر عقود العمل الوهمية لم يكن حادثاً فردياً معزولاً، بل جزءاً من نمط تشغيلي ممتد رُصدت آثاره الميدانية والقانونية في عدة بلدان لاتينية أخرى.
ففي كوبا، كشفت مصادر إعلامية مطلعة عن شبكات سرية قامت بتهريب عشرات الشباب الكوبيين نحو خطوط القتال الروسية مقابل وعود مالية سخية والحصول على الجنسية الروسية. وقد تسببت هذه القضية في حرج سياسي كبير لهافانا التي سارعت إلى اعتقال ومحاكمة المتورطين، مؤكدة على موقفها الرسمي الرافض لظاهرة “المرتزقة العسكريين”.
وفي بيرو، أظهرت البلاغات القضائية نمطاً تجنيدياً مشابهاً جداً، يستهدف الفئات العمالية وشرائح الشباب المتعطّلين عن العمل عبر إعلانات ترويجية مضللة على منصات التواصل الاجتماعي تزعم توفير فرص عمل في قطاعات الأمن الخاص والبناء داخل الأراضي الروسية.
وبالرغم من أن المشهديات تبدو شبه متطابقة بين “بيرو وكوبا وبوليفيا”، إلا أن كولومبيا تعدّ حالة استثنائية وفريدة عن الحالات المذكورة، حيث تتنازع كييف وموسكو الخزّان البشري الكولومبي المؤهل عسكرياً وأمنياً.
وتكشف تحقيقات استقصائية عميقة أنّ شبكات الوساطة استغلت الخلل الهيكلي وضعف الرواتب وجودة التدريب العالي لدى المحاربين القدامى وعناصر الجيش السابقين، لإغرائهم بمرتبات شهرية مغرية تتجاوز 3 آلاف دولار للقتال في صفوف الطرفين الروسي أو الأوكراني على حد سواء، الأمر الذي أدى إلى تسجيل نسبة خسائر بشرية مرتفعة في صفوفهم.
نفي روسي وتفسير الخبراء
في المقابل، سارعت السفارة الروسية في لاباز إلى إصدار بيان رسمي نفت فيه أية صلة مباشرة للكرملين أو البعثة الدبلوماسية بهذه الشبكات الإجرامية. وأشارت السفارة إلى أنها تتلقّى استفسارات فردية من مواطنين يرغبون بالتطوع، لكنها لا توفّر أي دعم أو توجيه أو تسهيلات بهذا الخصوص، محمّلة المسؤولية لمبادرات فردية أو شبكات مستقلة.
في المحصلة، تضع هذه الشبكات العابرة للحدود حكومات أمريكا اللاتينية أمام اختبار أمني ودبلوماسي معقَّد وحسَّان. فمن جهة، تتصاعد الضغوط الشعبية والحقوقية لإعادة جثامين الضحايا ومحاسبة شبكات الوساطة المحلية. ومن جهة أخرى، تجد هذه الدول نفسها مجبرة على موازنة علاقاتها الدبلوماسية الحسَّاسة مع القوى الدولية الكبرى، وتجنّب الانجرار المباشر إلى تجاذبات المحاور الدولية المتصارعة والمتناحرة.









