يتحرك الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا هولاند، بهدوء وحذر شديدين، ومن دون إعلان رسمي صريح عن نواياه السياسية، في مسعى لاستعادة قصر الإليزيه.
ولا يسعى هولاند في هذه المرحلة المبكرة إلى حشد الأصوات أو إطلاق حملة انتخابية تقليدية، بل يراهن على عامل الوقت، وتعثر منافسيه المحتملين، وخبرته السابقة في إدارة الأزمات، على أمل أن يتحول تدريجياً إلى “مرشح الضرورة” عندما تقترب لحظة الحسم.
حضور محسوب ورسائل سياسية مشفرة
وفي إطار هذا التحرك المحسوب، ظهر هولاند في 21 يوليو 2026 في مهرجان الجاز بمدينة مارسياك جنوب فرنسا، في خطوة لم يعتبرها المراقبون عابرة أو بريئة. فالمكان يحمل رمزية خاصة بالنسبة له، إذ سبق أن زار المهرجان نفسه في صيف عام 2011، أي قبل أشهر قليلة من فوزه بالانتخابات الرئاسية عام 2012.
ويرى مراقبون، بحسب ما نقلت صحيفة “20 مينيت”، أن هولاند يجيد ببراعة إرسال إشارات سياسية قوية من دون الإعلان عنها بشكل مباشر وصريح.
وقبل ذلك بثلاثة أيام فقط، جمع هولاند نحو 160 من أنصاره والمقربين منه في حفل استقبال أقيم داخل مجلس الشيوخ، وقال خلال اللقاء في تصريحات لافتة: “أنا أستعد، ومن خلال استعدادي أسعى إلى إعداد الفرنسيين”، مضيفاً: “لا أريد أن أكون مرشحاً رمزياً، بل أعتقد أنني ما زلت قادراً على أن أكون مفيداً لفرنسا”. واعتبر متابعون أن هذه التصريحات تتجاوز حدود الحديث السياسي التقليدي، وتحمل في طياتها ملامح إعلان غير مباشر عن احتمال كبير للعودة إلى السباق الرئاسي.
ويعزز هولاند حضوره السياسي عبر مسار إعلامي دقيق ومحسوب؛ إذ يستعد لإصدار كتاب جديد في 3 سبتمبر المقبل، كما سيشارك في 29 أغسطس في مناظرة عامة مع رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب، ضمن الجامعة الصيفية لـ”مختبر الجمهورية” في مدينة سانس.
ويصف محللون هذه التحركات بأنها تمهيد منظم ومدروس: كتاب، ثم نقاشات فكرية، ثم حضور إعلامي مكثف، وصولاً إلى اتخاذ قرار نهائي محتمل نهاية العام الجاري.
رهان على تعثر اليسار والاضطرابات الدولية
لا تقوم استراتيجية هولاند الحالية على التقدم المباشر كمرشح أول، بل على مراقبة أداء منافسيه داخل معسكر اليسار وانتظار أي تعثر قد يفتح الطريق أمامه.
ويواجه المرشح عن حزب “بلاس بوبليك” رافاييل غلوكسمان تحديات جدية في إثبات قدرته على قيادة حملة رئاسية كاملة، فيما يطرح برنار كازنوف نفسه أيضاً كخيار محتمل لليسار. وفي المقابل، يستعد الحزب الاشتراكي لتنظيم انتخابات تمهيدية داخلية في أكتوبر المقبل، من دون مشاركة هولاند فيها.
ونقلت “20 مينيت” عن نائب اشتراكي قوله إن هولاند “يراهن على تعثر غلوكسمان ثم الدخول باعتباره المنقذ”، بينما حذر نائب آخر من أن “انتظر الكارثة استراتيجية خطرة”، مشيراً إلى أنه سبق أن راهن عام 2022 على انسحاب آن هيدالغو من السباق، لكنها واصلت ترشحها رغم ضعف حظوظها.
ويعتمد هولاند في رهانه على فكرة أن الاضطرابات والأزمات الدولية المتصاعدة قد تعيد الاعتبار لخبرة الرؤساء السابقين، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات العالمية. ويرى مقربون منه أن الحرب في إيران، وعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، واستمرار المواجهة مع روسيا، والتوتر في مضيق هرمز، إلى جانب الأزمات الاقتصادية والمناخية، كلها ملفات قد تمنحه أفضلية باعتباره شخصية ذات خبرة ودراية في إدارة الملفات الكبرى.
وقال مستشاره السابق، برنار بوانيان، إن سجل هولاند يتضمن قرارات حازمة مثل رفض تسليم سفن “ميسترال” إلى روسيا، وإطلاق عملية مالي عام 2013 ضد الجماعات المتشددة، والمساهمة الفعالة في إبقاء اليونان داخل منطقة اليورو. كما يستند أنصاره إلى تحسن صورته لدى الرأي العام الفرنسي خلال الفترة الأخيرة، بعدما عاد إلى قائمة الشخصيات السياسية الأكثر شعبية في استطلاعات الرأي، رغم أن نوايا التصويت لصالحه لا تزال أقل من 10%، وبفارق كبير عن غلوكسمان في الوقت الحالي.
“لا أستطيع أن أكون مرشحاً كالآخرين”
وفي مقابلة حديثة مع صحيفة “لاديبيش دو ميدي”، لخص هولاند جوهر الرسالة التي يحاول إيصالها بالقول: “لو كنت رئيساً لا أستطيع أن أكون مرشحاً كالآخرين”. وهي عبارة تعكس أنه لا يقدم نفسه كمرشح عادي يخوض معركة أولية، بل كخيار احتياطي استثنائي يمكن اللجوء إليه في حال تعثر الآخرين وفشلهم في توحيد اليسار أو تقديم بديل مقنع.
لكن فكرة عودته لا تحظى بإجماع داخل معسكر اليسار، إذ يخشى بعض السياسيين من أن تؤدي عودة هولاند إلى إعادة إنتاج صراعات الماضي والانقسامات التي ميزت ولايته. وقال نائب مقرب من غلوكسمان، إن “الثعلب السبعيني لا ينبغي الاستهانة به”، لكنه أضاف أن دخول السباق في وقت متأخر أمام مرشح يعمل على حملته منذ أشهر لن يكون مهمة سهلة على الإطلاق.










