تل أبيب- المنشر الإخباري
أثار موقف إسرائيلي رافض لخطة “مجلس السلام” الخاصة بقطاع غزة موجة جديدة من التوترات السياسية والعسكرية داخل إسرائيل، بعدما أعلن مسؤولون إسرائيليون رفضهم الانسحاب من المواقع التي يسيطر عليها الجيش في القطاع، مؤكدين أن تل أبيب لن تتخلى عن وجودها العسكري قبل تحقيق أهدافها المعلنة.
وقال مسؤول إسرائيلي إن الجيش “لن ينسحب من الخط الحالي في قطاع غزة”، مشددا على أن القوات ستواصل عملياتها ضد ما وصفه بالتهديدات الأمنية. ويعكس هذا التصريح تصاعد الخلاف بين الجناح الذي يدفع باتجاه ترتيبات سياسية جديدة، والتي تحظى بدعم أطراف دولية، وبين تيارات داخل الحكومة الإسرائيلية ترى أن أي انسحاب أو تنازل أمني يمثل تراجعا عن أهداف الحرب.
ويأتي هذا الرفض في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية للدفع نحو صيغة تنهي الحرب وتفتح الطريق أمام إعادة إعمار غزة، إلا أن الخلافات بشأن مستقبل القطاع، وطبيعة القوات الموجودة فيه، ومسألة نزع السلاح، ما زالت تشكل العقبة الأكبر أمام أي اتفاق نهائي.
سموتريتش يهاجم الخطة: “لم تُعرض على الحكومة”
من جانبه، شن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش هجوما حادا على الخطة المنشورة، معتبرا أنها تختلف بشكل كبير عن الصيغة التي وافق عليها المجلس الوزاري الإسرائيلي.
وقال سموتريتش إن الخطة تتضمن بنودا لم يتم عرضها على الوزراء ولم تخضع للتصويت، مشيرا إلى أن أبرز نقاط الخلاف تتعلق بإمكانية انسحاب الجيش الإسرائيلي قبل استكمال نزع السلاح، ومنح قوة دولية متعددة الجنسيات صلاحيات قد تحد من حرية تحرك الجيش، إضافة إلى فصل عملية إعادة الإعمار عن ملف نزع السلاح.
كما انتقد الوزير الإسرائيلي ما وصفه بإعادة طرح إقامة دولة فلسطينية كهدف سياسي، معتبرا أن ذلك يتعارض مع توجهات الحكومة الحالية وتعهداتها خلال الحرب.
وطالب سموتريتش بعقد اجتماع عاجل للمجلس الوزاري السياسي والأمني لبحث تداعيات الخطة، مؤكدا أنه سيعارض أي اتفاق يرى أنه لا ينسجم مع أهداف إسرائيل العسكرية والسياسية.
خلافات متزايدة بين إسرائيل والوسطاء
وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع ممثلين عن مجلس السلام، في محاولة لإقناع القيادة الإسرائيلية بوقف العمليات العسكرية والانخراط في المسار السياسي.
ووفق تقارير إعلامية، فإن مسؤولين أميركيين وأعضاء في المجلس أبدوا استياءهم من الموقف الإسرائيلي، مؤكدين أن تل أبيب كانت على اطلاع مسبق على تفاصيل الخطة وشروطها منذ أشهر.
ويكشف هذا التطور عن اتساع الفجوة بين الرؤية الإسرائيلية والرؤية الدولية لمستقبل غزة، إذ تسعى أطراف خارجية إلى إنشاء إطار سياسي وأمني جديد، بينما تصر الحكومة الإسرائيلية على الاحتفاظ بقدرة عسكرية واسعة داخل القطاع.
ملف نزع السلاح يشعل المواجهة
ويعد ملف سلاح حركة حماس أحد أكثر القضايا تعقيدا في المفاوضات الجارية. فقد وافقت الحركة، بحسب التقارير، على مناقشة إدراج أسلحتها الثقيلة ضمن المرحلة الثانية من أي اتفاق، لكنها ربطت ذلك بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، وانسحاب القوات، وبدء عملية إعادة الإعمار، إلى جانب نشر قوة حماية دولية.
في المقابل، تتمسك إسرائيل بشرط نزع السلاح الكامل قبل أي انسحاب عسكري، وتؤكد أنها تريد الاحتفاظ بما يسمى “الخط الأصفر”، الذي يمنح جيشها السيطرة على مناطق واسعة من القطاع حتى تحقيق هذا الهدف.
هذا التباين في المواقف يجعل تنفيذ أي اتفاق أمرا شديد التعقيد، إذ يرى مراقبون أن الخلاف لا يتعلق فقط بترتيبات أمنية مؤقتة، بل بطبيعة النظام السياسي والأمني الذي سيحكم غزة في المرحلة المقبلة.
مستقبل غزة بين الحسابات العسكرية والضغوط السياسية
ويرى محللون أن الأزمة الحالية داخل إسرائيل تعكس صراعا أوسع حول اليوم التالي للحرب، حيث تواجه الحكومة الإسرائيلية ضغوطا داخلية من اليمين المتشدد الذي يرفض أي تسوية، وضغوطا خارجية تطالب بإنهاء العمليات والبدء في مسار سياسي.
كما أن استمرار السيطرة العسكرية على أجزاء واسعة من القطاع يثير تساؤلات حول قدرة إسرائيل على تحويل التفوق العسكري إلى حل سياسي مستدام، خصوصا مع استمرار الرفض الفلسطيني لأي ترتيبات لا تتضمن انسحابا واضحا وإعادة إعمار شاملة.
وفي ظل استمرار الخلافات، تبدو خطة غزة أمام اختبار حاسم، فإما أن تنجح الأطراف في التوصل إلى صيغة توافقية توازن بين المطالب الأمنية والسياسية، أو أن تعود المواجهة إلى التصعيد في ظل غياب اتفاق واضح بشأن مستقبل القطاع.
ويبقى الملف الأكثر حساسية هو قدرة الوسطاء على تجاوز الخلافات داخل إسرائيل نفسها، بعدما بات واضحا أن العقبة لا تكمن فقط في المفاوضات مع الفلسطينيين، بل أيضا في الانقسام السياسي العميق داخل تل أبيب حول شكل المرحلة المقبلة.










