إبراهيم عزيزي: العرب أدركوا أن أمن المنطقة بأيديهم.. لكن «الطريق الصحيح» لم يُحدد بعد
طهران – المنشر_الاخباري
في رسالة تحمل لهجة تحذيرية لافتة، علّق عضو مجلس الشورى الإيراني إبراهيم عزيزي على «ميثاق مكة»، معتبرًا أن الدول العربية بدأت تدرك أن أمن الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق من خلال القوى الخارجية، وإنما عبر التعاون بين دول المنطقة، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا الإدراك لم يتحول بعد إلى مسار سياسي وأمني واضح.
وقال عزيزي إن «ميثاق مكة» يعكس وصول الدول العربية إلى قناعة مفادها أن أمنها يرتبط بتعاون دول المنطقة، لكنه أضاف أن هذه الدول «لم تجد الطريق الصحيح» حتى الآن، في إشارة إلى استمرار الخلافات بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية التي ينبغي أن تحكم المنطقة.
لكن الرسالة الأبرز في تصريح النائب الإيراني جاءت في تحذيره من احتمال وقوع «سوء تقدير» في التعامل مع طهران. فقد أكد أن إيران تعتبر نفسها قوة مؤثرة في المعادلة الإقليمية، وأن أي طرف يقدم على خطوة خاطئة في حساباته تجاهها قد يواجه تبعات مباشرة.
وقال عزيزي إن «إيران القوية أثبتت أن أي خطأ لن يمر دون رد»، وهي عبارة تعكس بوضوح رغبة طهران في توجيه رسالة ردع إلى الأطراف التي قد تفكر في اختبار موقفها أو قدراتها.
ويكتسب الحديث عن «ميثاق مكة» أهمية خاصة في ظل النقاش المتزايد حول مستقبل الأمن في الشرق الأوسط، وما إذا كانت دول المنطقة قادرة على بناء منظومة أمنية تعتمد بصورة أكبر على التعاون الإقليمي، بدلًا من الاعتماد على الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الدولية.
ومن وجهة النظر التي عبّر عنها عزيزي، فإن الاعتراف بأهمية التعاون بين دول المنطقة يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكن المشكلة تكمن في تحديد طبيعة هذا التعاون والجهات التي ينبغي أن تشارك فيه، إضافة إلى كيفية التعامل مع التنافس الإقليمي والمصالح المتعارضة بين دول الشرق الأوسط.
وتحاول إيران منذ سنوات ترسيخ فكرة أن أمن المنطقة يجب أن تتولاه دولها، وأن استمرار الوجود العسكري للقوى الأجنبية لا يؤدي إلى تحقيق الاستقرار، بل يمكن أن يكون عاملًا إضافيًا للتوتر. ويأتي تصريح عزيزي منسجمًا مع هذا الطرح، إذ يربط بين التعاون الإقليمي وبين تقليص الاعتماد على القوى الخارجية.
وفي المقابل، فإن دولًا عربية تنظر إلى أمنها من زاوية مختلفة، خصوصًا في ظل التهديدات الأمنية والصراعات الإقليمية التي دفعتها إلى بناء شراكات دفاعية وعسكرية مع قوى دولية. ولذلك فإن الحديث عن منظومة أمن إقليمية مستقلة يظل مرتبطًا بسؤال أكثر تعقيدًا: هل تستطيع دول المنطقة تجاوز خلافاتها وبناء آلية مشتركة تضمن أمن الجميع؟
وتبرز في هذا السياق قضية الثقة بين الأطراف الإقليمية، وهي إحدى أكثر العقبات صعوبة أمام أي مشروع أمني مشترك. فالتنافس السياسي والأمني بين القوى الإقليمية، إلى جانب الملفات الخلافية المتعددة، يجعل الانتقال من الخطاب عن التعاون إلى بناء آليات عملية أمرًا معقدًا.
ومن هنا يمكن قراءة تحذير عزيزي من «سوء التقدير» باعتباره جزءًا من رسالة أوسع تريد طهران من خلالها التأكيد أن أي ترتيبات جديدة في المنطقة يجب ألا تقوم على افتراض أن إيران يمكن تجاوزها أو تجاهل مصالحها.
كما أن عبارة «أي خطأ لن يمر دون رد» تحمل بُعدًا ردعيًا واضحًا، إذ تسعى إلى التأكيد على أن طهران لن تتعامل مع ما تعتبره تهديدًا لأمنها باعتباره مجرد خلاف سياسي، بل قد ترد عليه وفقًا لحساباتها ومصالحها.
وفي الوقت نفسه، فإن الإشارة إلى «ميثاق مكة» تفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الرسالة التي تريد إيران توجيهها إلى الدول العربية: هل ترى طهران في أي تقارب عربي حول الأمن الإقليمي فرصة للتعاون، أم أنها تحذر من أن يتحول هذا التقارب إلى ترتيبات تستهدفها؟
وبين الترحيب بفكرة أن أمن المنطقة يجب أن يكون مسؤولية دولها، والتحذير من «سوء التقدير»، يبدو أن الخطاب الإيراني يحاول رسم خط أحمر واضح: التعاون الإقليمي مرحب به، لكن من منظور طهران، لا ينبغي أن يتحول إلى منصة لمواجهتها أو احتوائها.
ويأتي هذا التصريح في وقت تتزايد فيه أهمية إعادة رسم التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط، ما يجعل أي إشارة من مسؤولين إيرانيين بشأن طبيعة العلاقة مع الدول العربية محط اهتمام، خصوصًا عندما تتضمن تحذيرات مباشرة من عواقب سوء الحسابات.
وفي المحصلة، فإن رسالة إبراهيم عزيزي تجمع بين دعوتين متوازيتين: الأولى تؤيد تعزيز التعاون بين دول المنطقة، والثانية تحذر من اختبار قوة إيران. وبين الدعوتين يبقى السؤال الأهم مفتوحًا: هل يمكن أن يتحول الحديث عن أمن إقليمي مشترك إلى واقع سياسي، أم أن الحسابات المتنافسة ستبقي المنطقة أمام خطر سوء التقدير والتصعيد؟










