حذر مرصد العراق الأخضر، اليوم السبت، من تفاقم وتكرار حوادث نفوق الأسماك في مختلف أنهار وأهوار العراق، مؤكدا أن هذه الكوارث البيئية باتت تشكل “نمطا سنويا متكررا” يعكس عمق الأزمتين المائية والبيئية في البلاد، في ظل غياب تام للمعالجات الحقيقية التي تحول دون تكرارها عاما بعد آخر.
موجات متلاحقة وتلوث حاد يضرب الثروة السمكية
أوضح مرصد العراق الأخضر، في بيان رسمي أن العراق شهد موجتين خطيرتين من نفوق الأسماك خلال العام الحالي 2026. تمثلت الأولى في شهر أبريل الماضي، والتي أسفرت عن نفوق ما يزيد على ألف طن من الأسماك في نهري دجلة وديالى، وتركزت الخسائر الفادحة في محافظة واسط نتيجة تلوث حاد ناجم عن ضخ مخلفات الصرف الصحي غير المعالجة والمخلفات الصناعية مباشرة في مجاري المياه.
وترافقت تلك الموجة مع زيادة مفاجئة في الإطلاقات المائية القادمة من سد حمرين، والتي عملت على جراف الملوثات المتراكمة صوب نهر دجلة، مما أدى إلى تسجيل أكثر من عشرين حالة تسمم وإصابات جلدية بين المواطنين الذين نقلوا على إثرها إلى المستشفيات لتلقي العلاج، بحسب مرصد العراق الأخضر،
أما الموجة الثانية، فقد سجلت مطلع شهر أغسطس الحالي في قناة العمشان ضمن محافظة ميسان، أرجعت لجنة الزراعة والمياه في مجلس المحافظة الحادثة المأساوية إلى التراجع الحاد والملحوظ في الإطلاقات المائية المخصصة للقناة.
تناقض الموارد: وفرة مائية في الخزين وعجز إداري مستمر
لفت مرصد العراق الأخضر إلى مفارقة مقلقة تتمثل في تراجع منسوب المياه والموجات المدمرة بالتزامن مع إعلان الجهات الرسمية عن ارتفاع إجمالي الخزين المائي في البلاد إلى نحو 34 مليار متر مكعب. وتؤكد هذه المؤشرات أن جذر المشكلة يكمن في “إدارة الموارد المائية بامتياز” بعيدا عن مجرد الارتباط بشح المياه الطبيعي.
ويوثق السجل التاريخي للمرصد سلسلة طويلة من الكوارث البيئية المماثلة، أبرزها نفوق عشرات آلاف الأطنان من الأسماك في نهر الفرات بمحافظة بابل في 2018، و2020: نفوق ملايين الأسماك في سدة الهندية، تلتها كارثة أخرى في هور الدلمج بمحافظة الديوانية.
كما شهد عام 2023 نفوق أطنان من الثروة السمكية في نهر العز بميسان، في نفس المنطقة التي شهدت تكرار الحادث خلال العام الحالي، وتم تسجيل نفوق واسع النطاق في هور ابن نجم بمحافظة النجف الأشرف في 2025.
وأشار المرصد إلى أن هذه السلسلة المتواصلة من الكوارث البيئية لم تواجهها الجهات الرسمية سوى بتشكيل لجان تحقيق مؤقتة لم تفض عن إعلان نتائج قاطعة أو محاسبة أي جهة مسؤولة عن الإهمال.
الأسباب الفنية لأزمة نفوق الأسماك في الأنهار والأهوار
حدد مرصد العراق الأخضر، الأسباب الرئيسية الكامنة وراء هذه الحوادث المتكررة في نقاط واضحة تشمل انخفاض حاد في مستويات الأوكسجين المذاب في المياه نتيجة تحلل المواد العضوية وانتشار الطحالب الضارة.
والاستمرار في تصريف مياه الصرف الصحي والصناعي دون أي معالجة مباشرة في الموارد المائية، فقدان المجاري المائية لقدرتها الطبيعية على التنقية الذاتية بعد سنوات متتالية من الجفاف الشديد، وسوء إدارة توزيع الحصص المائية والعدالة في إيصالها بين المحافظات المختلفة.
دعوات عاجلة للتدخل الحكومي وحماية الأمن الغذائي
في ختام بيانه، وجه مرصد العراق الأخضر جملة من التوصيات الملحة إلى الجهات الحكومية المعنية، متضمنة ضرورة تثبيت حصص مائية عادلة ومستدامة للمحافظات والأهوار بعيدا عن سياسة القرارات الآنية والترقيعية.
كما شدد على أهمية تفعيل الرقابة البيئية الصارمة على محطات الصرف الصحي والمنشآت الصناعية المجاورة للأنهار، وإنشاء منظومة إنذار مبكر حديثة لرصد مستويات الأوكسجين والملوثات بالتعاون مع المؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني، فضلا عن تقديم تعويضات عادلة وسريعة لمربي الأسماك المتضررين.
وحذر المرصد من أن استمرار التسويف وغياب المعالجات الجذرية يمثلان تهديدا مباشرا للأمن الغذائي والمائي في العراق، وينذران بخسائر فادحة إضافية في التنوع الأحيائي وتدمير سلب عيش عشرات آلاف الأسر التي تعتمد كليا على الثروة السمكية كمصدر أساسي لدخلها.










