صدر مرسوم رسمي عن المرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، قضى بتعيين القائد العسكري المخضرم محسن رضائي ممثلا شخصيا له في المجلس الأعلى للأمن القومي، وتزامن هذا القرار مع إعلان الرئاسة الإيرانية، عبر مهدي طباطبائي نائب مسؤول الاتصالات والإعلام في مكتب الرئيس، عن إصدار مرسوم رئاسي يقضي بتعيين رضائي أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومي، خلفا للأمين المستقيل محمد باقر ذو القدر.
وتأتي هذه التغييرات الجذرية في وقت تمر فيه إيران بظروف إقليمية ودولية بالغة الدقة، لا سيما في أعقاب المواجهات العسكرية الأخيرة والتوترات المتصاعدة بشأن أمن الملاحة في منطقة مضيق هرمز، مما يعكس توجها واضحا نحو إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية العليا بما يتماشى مع الرؤية الاستراتيجية للقيادة الجديدة.
استقالة محمد باقر ذو القدر وخلفيات التغيير المبكر
أكد مهدي طباطبائي أن تولي محسن رضائي لأمانة المجلس جاء إثر تقديم محمد باقر ذو القدر استقالته الرسمية من منصبه.
وكان ذو القدر، الذي يعد واحدا من أبرز الشخصيات الأمنية والعسكرية المخضرمة في الجمهورية الإسلامية، قد شغل المنصب لفترة وجيزة لم تتجاوز بضعة أشهر قبل أن يتقدم باستقالته التي أثارت تكهنات واسعة في الأوساط السياسية الإيرانية.
وفي أعقاب مغادرته للأمانة العامة، أفادت وكالة أنباء “تسنيم” الإيرانية بأنه تم تعيين ذو القدر مستشارا سياسيا لمجتبى خامنئي. وسبق هذا الإعلان حالة من التخبط الإعلامي والتسريبات المتضاربة، إذ نشرت وكالة “تسنيم” تقارير غير جازمة ثم حذفتها، في حين نفت جهات حكومية وجود استقالة في البداية، قبل أن يعترف الرئيس مسعود بزشكيان، في تصريحات صحفية، بوجود “مجموعة من الخلافات المطروحة التي نسعى لمعالجتها” داخل مؤسسات الحكم.
من هو محسن رضائي؟
يعد محسن رضائي شخصية استثنائية وفريدة في الهيكل الأمني والسياسي والاقتصادي لإيران حيث امتد نشاطه وتأثيره لأكثر من أربعة عقود صاخبة:
وبرز رضائي كقائد عام للحرس الثوري الإيراني خلال حقبة ستينيات وسبعينيات القرن الهجري الشمسي (ثمانينيات القرن العشرين)، وشهد عن قرب معظم محطات الحرب العراقية الإيرانية.
وشغل منصب سكرتير مجمع تشخيص مصلحة النظام لأكثر من عقدين من الزمن، وترشح عدة مرات للانتخابات الرئاسية، وشغل منصب معاون الرئيس للشؤون الاقتصادية في حكومة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي.
إلى جانب وزير الدفاع وقائد الحرس الثوري الحالي أحمد وحيدي، يعتبر رضائي مطلوبا للإنتربول الدولي ويخضع لمحاكمات قضائية في الأرجنتين على خلفية اتهامه بالضلوع في تفجير المركز الثقافي اليهودي (آميا) في بوينس آيرس عام 1994، والذي أودى بحياة 85 شخصا.
مواقف رضائي التصعيدية وتداعيات “حرب الأربعين يوما”
منذ اندلاع المواجهات الأخيرة، برز محسن رضائي بوصفه واحدا من أبرز الصقور وصانعي الخطاب الاستراتيجي المتشدد ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولم يكتف بدور المستشار العسكري للمرشد، بل تصدر المشهد الإعلامي عبر تصريحات نارية أكد فيها مرارا أن “أمريكا خسرت الحرب الثالثة ضد الجمهورية الإسلامية في منتصفها”.
وارتكزت أدبيات ومواقف رضائي السياسية والعسكرية على محاور أساسية تتضمن، معارضة أي تهدئة طويلة الأجل ورفض التنازلات الدبلوماسية السريعة.
والتأكيد المستمر على جاهزية إيران لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد ضد التحالف الغربي، وإطلاق تحذيرات قاسية لددول المنطقة وإثارة ملف السيطرة على مضيق هرمز، حيث هدد علنا بأن محاولات واشنطن استعادة حرية الملاحة في المضيق “قد تؤدي إلى إشعال شرارة الحرب العالمية الثالثة”، متبنيا لغة تهديد غير مسبوقة.
الدلالات الاستراتيجية لتولم رضائي منصب الأمانة والتمثيل
لا ينظر إلى تعيين محسن رضائي في هذا التوقيت على أنه مجرد مناقلة إدارية روتينية، بل يمثل تحولا هيكليا عميقا في إدارة السياسة الأمنية العليا لإيران. فجمع رضائي بين صفتي “أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي” و”ممثل المرشد” يمنحه نفوذا مطلقا يوازي أو يتفوق على صلاحيات الجهاز التنفيذي.
ويرى المراقبون أن هذا الصعود يعكس هيمنة أكبر ومباشرة للزعيم الجديد للجمهورية الإسلامية، مجتبى خامنئي، على مفاصل الأمن القومي. وسبق لرضائي أن صرح بأن في “عقل” المرشد مسارا آخر غير مسار المجلس الأعلى للأمن القومي قد يكون “أكثر نجاحا”، خاصة بعد اعتراض القيادة العليا في مناسبات سابقة على بعض الاتفاقات الدبلوماسية التي أبرمتها الحكومة مع الجانب الأمريكي.
الجدل الحكومي وتوازنات القرار السياسي في طهران
يأتي صعود رضائي في وقت تشهد فيه مؤسسات الدولة انقسامات وخلافات حادة حول إدارة ملفات الحرب والمفاوضات وترتيبات الأمن الإقليمي.
وكان الرئيس مسعود بزشكيان قد دافع بشراسة عن دور المجلس الأعلى للأمن القومي في إقرار التفاهمات الأخيرة مع الولايات المتحدة (مذكرة تفاهم إسلام آباد)، مؤكدا أن القيادات العسكرية والأمنية شاركت بفاعلية في النقاشات.
وأوضح بزشكيان أن القرار النهائي صدر بعد موافقة أغلبية أعضاء المجلس (12 من أصل 13 عضوا)، مشددا على أن تباين الآراء بين المؤسسات يعد أمرا طبيعيا يتم حسمه في النهاية بالرجوع إلى التوجيهات العليا للمرشد. ومع تولي رضائي دفة الأمانة العامة، يتوقع خبراء الشأن الإيراني تشديد القبضة الأمنية وتقييد مساحات المناورة الدبلوماسية أمام الحكومة، مما ينذر بمرحلة جديدة من التوتر والتصلب في سياسات طهران الإقليمية والدولية.









