تحليل سياسي: نجاح أي تسوية مرهون باستهداف مصادر دعم موسكو الخارجية وإشراك تركيا والصين في معادلة السلام
لندن – المنشر_الاخباري
تواجه الجهود الدبلوماسية الأمريكية الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا تحديات معقدة، في ظل استمرار الفجوة بين مواقف موسكو وكييف، وتزايد الحاجة إلى صياغة مقاربة أوسع من مجرد الضغط المباشر على طرفي الصراع. ويأتي ذلك بالتزامن مع التحركات المرتبطة بمسار ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذين يقودان جهوداً دبلوماسية أمريكية لدفع الأطراف نحو استئناف المفاوضات والبحث عن إطار يمكن أن يفتح الطريق أمام تسوية سياسية للحرب.
وبحسب تحليل نشره موقع Aselsan للكاتب روب مونيّاك، فإن إطار ويتكوف-كوشنر المحتمل قد يقوم على ممارسة ضغوط متوازية على موسكو وكييف. فبينما يمكن أن تواجه أوكرانيا تهديداً بتقليص المساعدات العسكرية والدعم الدبلوماسي إذا رفضت الدخول في مفاوضات، يمكن أن تواجه روسيا في المقابل عقوبات أوسع، ورسومًا ثانوية، واستمرار تدفق الأسلحة إلى أوكرانيا إذا رفضت الانخراط في مسار تفاوضي جاد.
ويرى التحليل أن هذه المقاربة قد تكون مفهومة من الناحية الدبلوماسية، لكنها لا تعالج بصورة كافية العناصر التي تمنح روسيا القدرة على تحمل الضغوط والاستمرار في الحرب. ويشير إلى أن موسكو لا تخوض الصراع في عزلة كاملة، بل تستفيد من شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والعسكرية والسياسية مع عدد من الدول، الأمر الذي يسمح لها بتخفيف آثار العقوبات الغربية ومواصلة تمويل العمليات العسكرية.
ويضع التحليل الصين في قلب هذه المعادلة، باعتبارها أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لروسيا، ويرى أن استمرار العلاقات التجارية بين البلدين يوفر لموسكو منفذاً مهماً في مواجهة الضغوط الغربية. ويشير الكاتب إلى أن شراء الصين كميات كبيرة من النفط الروسي بأسعار مخفضة يوفر عوائد مهمة للاقتصاد الروسي، في الوقت الذي تحصل فيه بكين على الطاقة بأسعار تفضيلية.
وبحسب التحليل، فإن التعامل مع هذا الملف من خلال العقوبات وحدها قد لا يكون كافياً، لأن الضغط الاقتصادي على الصين دون توفير مسار بديل قد يدفع بكين إلى التمسك بموقفها بدلاً من تغييره. ولذلك يقترح الكاتب الجمع بين الضغط والحوافز، بحيث تصبح مواصلة دعم روسيا أكثر تكلفة بالنسبة للصين، بينما يصبح التعاون مع المسار الدولي لإنهاء الحرب أكثر جاذبية.
ويرى التحليل أن إحدى الأدوات الممكنة تتمثل في منح الصين دوراً اقتصادياً في مرحلة إعادة إعمار أوكرانيا، من خلال السماح للشركات الصينية بالمشاركة في مشاريع البنية التحتية وإعادة البناء، بما يوفر لبكين فرصة للحصول على موطئ قدم اقتصادي في أوروبا بعد الحرب.
كما يقترح الكاتب ربط الملف الصيني بملف كوريا الشمالية، عبر استخدام النفوذ الصيني للضغط على بيونغ يانغ بهدف وقف إمداداتها العسكرية إلى روسيا. ويعتبر أن مثل هذه المقاربة يمكن أن تفتح أمام الصين مساراً للتعاون مع الولايات المتحدة في ملفات تتجاوز الحرب الأوكرانية، دون الحاجة إلى إدخال قضايا آسيوية شديدة الحساسية في صلب التفاوض.
وتأتي كوريا الشمالية في هذا السياق باعتبارها أحد مصادر الدعم العسكري الخارجي لموسكو، إذ تواجه بيونغ يانغ اتهامات غربية بتقديم كميات كبيرة من الذخائر والمعدات العسكرية لروسيا، إلى جانب احتمال مشاركة قوات كورية شمالية في الحرب.
ويرى التحليل أن قطع أو تقليص هذا الدعم من شأنه أن يضيف ضغطاً إضافياً على موسكو، خصوصاً إذا ترافق مع تضييق قنوات الدعم الاقتصادي القادمة من الصين.
لكن الكاتب يعتبر أن التركيز على الصين وحدها لن يكون كافياً، ويضع تركيا في موقع محوري ضمن أي استراتيجية جديدة لإنهاء الحرب. فأنقرة، وفق التحليل، تمتلك مجموعة من الأدوات التي تجعلها لاعباً فريداً في الأزمة الأوكرانية، بدءاً من موقعها الجغرافي على البحر الأسود، مروراً بسيطرتها على المضائق التركية بموجب اتفاقية مونترو، وصولاً إلى علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية مع روسيا وأوكرانيا في الوقت نفسه.
ويشير التحليل إلى أن تركيا نجحت خلال سنوات الحرب في الحفاظ على قنوات اتصال مع موسكو، بينما أقامت في الوقت نفسه شراكة دفاعية متقدمة مع كييف. كما أن علاقاتها مع دول الخليج وآسيا الوسطى والعالم الإسلامي تمنحها نفوذاً لا تمتلكه العديد من الدول الغربية.
ويرى الكاتب أن هذه المزايا تجعل تركيا مرشحاً طبيعياً للاضطلاع بدور أكبر في ترتيبات الأمن المستقبلية في البحر الأسود، خصوصاً إذا جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا.
ويطرح التحليل مجموعة من الحوافز التي يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة وأوروبا لأنقرة مقابل انخراط أكبر في مسار السلام، من بينها منحها دوراً قيادياً في ترتيبات الأمن البحري في البحر الأسود، وتعزيز التعاون الدفاعي مع أوكرانيا، وإشراك الشركات التركية في مشاريع إعادة إعمار المناطق الأوكرانية المتضررة من الحرب.
كما يرى أن تطوير شراكات صناعية ودفاعية بين تركيا وأوكرانيا يمكن أن يمثل حافزاً إضافياً لأنقرة، خاصة أن البلدين يمتلكان بالفعل علاقات متقدمة في مجال الصناعات الدفاعية والطائرات المسيرة.
ولا يتوقف الدور التركي المقترح عند حدود البحر الأسود، إذ يرى التحليل أن علاقات أنقرة مع دول الخليج يمكن أن تمنحها قدرة إضافية على التأثير في بعض القنوات الاقتصادية التي تستفيد منها روسيا للالتفاف على العقوبات الغربية.
ويعتبر الكاتب أن إشراك تركيا بصورة فعالة قد يغير المعادلة الدبلوماسية المحيطة بالحرب، لأن أنقرة يمكن أن تشكل حلقة وصل بين روسيا والغرب من جهة، وبين أوروبا والعالم الإسلامي من جهة أخرى.
ويشير التحليل كذلك إلى أن تركيا لا تتعامل مع السياسة الخارجية من منظور أيديولوجي فقط، وإنما تضع المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية في مقدمة حساباتها. ولذلك يرى الكاتب أن تقديم حزمة حوافز متكاملة لأنقرة يمكن أن يجعل الانخراط في تسوية الحرب أكثر فائدة لها من الاستمرار في سياسة التوازن بين موسكو وكييف.
وفي المقابل، فإن نجاح أي تحرك تركي يحتاج إلى ضمانات واضحة بشأن المصالح الأمنية والاقتصادية لأنقرة، فضلاً عن منحها دوراً حقيقياً في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب، وليس الاكتفاء باستخدامها كوسيط مؤقت بين الطرفين.
ويرى التحليل أن الحرب الأوكرانية تحولت خلال السنوات الماضية إلى أزمة متعددة الأطراف، ولم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين روسيا وأوكرانيا. فقد أصبحت الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والعقوبات والعلاقات بين القوى الكبرى جزءاً من المعركة، وهو ما يجعل أي تسوية سياسية مرتبطة بصورة مباشرة بالتوازنات الدولية.
ومن هذا المنطلق، يعتبر الكاتب أن الخطأ الرئيسي في بعض التصورات الحالية هو التعامل مع الحرب على أنها نزاع يمكن إنهاؤه من خلال جمع موسكو وكييف إلى طاولة واحدة فقط. فحتى إذا تمكنت واشنطن من إقناع الطرفين باستئناف المفاوضات، فإن استمرار الدعم الخارجي لروسيا يمكن أن يقلل من استعداد موسكو لتقديم تنازلات جوهرية.
ويطرح التحليل لذلك فكرة توسيع دائرة الضغط لتشمل الدول التي تساعد روسيا على الاستمرار في الحرب، بالتزامن مع تقديم حوافز لهذه الدول إذا ساهمت في إغلاق قنوات الدعم.
ويشير الكاتب إلى أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تمتلك أدوات اقتصادية واسعة، لكنها تحتاج إلى استخدامها ضمن استراتيجية أكثر تكاملاً. فالعقوبات يمكن أن ترفع تكلفة الحرب، لكن تأثيرها يصبح أقل إذا وجدت موسكو أسواقاً بديلة ومصادر تمويل وإمداد عسكري خارج المنظومة الغربية.
ولهذا، يرى التحليل أن الضغط على روسيا ينبغي أن يترافق مع تحرك دبلوماسي يستهدف الصين وكوريا الشمالية وتركيا ودولاً أخرى تمتلك القدرة على التأثير في مسار الحرب.
وفي الجانب الأوكراني، لا تزال كييف تواجه معادلة صعبة بين الرغبة في إنهاء الحرب والحاجة إلى ضمانات أمنية تمنع تكرار الصراع مستقبلاً. وتخشى السلطات الأوكرانية من أن يؤدي أي اتفاق لا يتضمن ترتيبات أمنية قوية إلى منح روسيا فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية ثم تجدد الحرب في وقت لاحق.
ولهذا، فإن أي إطار تفاوضي أمريكي سيواجه ضرورة معالجة مسألة الضمانات الأمنية، إلى جانب الملفات المتعلقة بالأراضي والعقوبات وإعادة الإعمار ومستقبل القوات الروسية في المناطق المتنازع عليها.
ويرى التحليل أن إعادة إعمار أوكرانيا يمكن أن تكون إحدى الأدوات التي تساعد على بناء تسوية أوسع، لأنها توفر فرصاً اقتصادية ضخمة يمكن استخدامها لتشجيع دول مثل الصين وتركيا ودول أخرى على دعم الاستقرار بعد الحرب.
وفي هذا السياق، يمكن أن تتحول إعادة الإعمار من مجرد مشروع اقتصادي إلى أداة سياسية ودبلوماسية، من خلال ربط المشاركة الاقتصادية بالتزام الدول المعنية بدعم وقف إطلاق النار واحترام الاتفاقات الأمنية.
كما يرى الكاتب أن مستقبل البحر الأسود سيكون جزءاً أساسياً من أي اتفاق طويل الأمد، نظراً إلى أهميته بالنسبة للتجارة والطاقة والأمن الأوروبي. وتلعب تركيا دوراً مركزياً في هذه المنطقة بحكم موقعها واتفاقية مونترو، الأمر الذي يجعل مشاركتها في أي ترتيبات أمنية أمراً بالغ الأهمية.
ويشير التحليل إلى أن ترتيبات الأمن في البحر الأسود يمكن أن تشمل آليات لمنع التصعيد، وحماية حركة السفن التجارية، وتأمين الممرات البحرية، ووضع قواعد واضحة للتعامل مع أي حوادث عسكرية قد تقع بعد وقف إطلاق النار.
كما أن أي اتفاق مستقبلي سيكون بحاجة إلى آليات مراقبة وتنفيذ، حتى لا يتحول وقف إطلاق النار إلى هدنة مؤقتة تتيح لكل طرف إعادة تنظيم قواته والاستعداد لجولة جديدة من القتال.
ويرى التحليل أن الولايات المتحدة ستحتاج إلى الحفاظ على نفوذها في هذه العملية، لكنها في الوقت نفسه لن تتمكن من إدارة جميع جوانب التسوية بمفردها. ولذلك فإن بناء تحالف دولي أوسع قد يكون أكثر فاعلية من الاعتماد على التحرك الأمريكي المنفرد.
ومن بين أهم عناصر هذه المقاربة، وفق الكاتب، الجمع بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية والحوافز السياسية. فروسيا يجب أن تواجه تكلفة متزايدة لمواصلة الحرب، بينما يجب أن تحصل الدول القادرة على التأثير في موسكو على حوافز مقابل المساعدة في إنهاء الصراع.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تلعب الصين دوراً اقتصادياً في مرحلة إعادة الإعمار، بينما تتولى تركيا دوراً أمنياً ودبلوماسياً في البحر الأسود، في حين يتم الضغط على كوريا الشمالية لوقف الإمدادات العسكرية لروسيا.
ويرى التحليل أن هذه المقاربة من شأنها أن تغير الحسابات الروسية، لأن موسكو ستجد نفسها أمام بيئة دولية أكثر صعوبة، لا تقتصر فيها الضغوط على العقوبات الغربية وإنما تمتد إلى شبكات الدعم الخارجية التي تعتمد عليها.
وفي المقابل، فإن نجاح هذا التصور يتطلب استعداد الولايات المتحدة وأوروبا لتقديم تنازلات وحوافز لبعض الأطراف، وهو أمر قد يثير اعتراضات داخلية في واشنطن والعواصم الأوروبية، خصوصاً إذا ارتبط بتقديم امتيازات اقتصادية للصين أو دور أكبر لتركيا.
كما أن المفاوضات مع روسيا ستظل شديدة التعقيد، في ظل استمرار الخلافات بشأن مستقبل الأراضي الأوكرانية والضمانات الأمنية والعقوبات ومستقبل العلاقات الروسية الغربية.
ومع ذلك، يرى الكاتب أن تجاهل هذه الملفات الخارجية سيجعل أي إطار للسلام معرضاً للفشل، لأن موسكو ستظل قادرة على الاستمرار في الحرب إذا بقيت قنوات التمويل والإمداد مفتوحة.
ويؤكد التحليل أن إطار ويتكوف-كوشنر لا يمثل بالضرورة مساراً خاطئاً، لكنه يحتاج إلى توسيع نطاقه ليصبح أكثر شمولاً. فبدلاً من التركيز على الضغط على موسكو وكييف فقط، يجب أن يشمل أيضاً الدول التي تمتلك القدرة على تغيير حسابات الطرفين.
وتتمثل الفكرة الأساسية في أن السلام لن يتحقق فقط من خلال المفاوضات المباشرة، بل من خلال إعادة تشكيل البيئة التي تجري فيها هذه المفاوضات.
فإذا تمكنت واشنطن من الجمع بين الضغط الاقتصادي على روسيا، والحوافز للصين، والشراكة الاستراتيجية مع تركيا، والضغط على كوريا الشمالية، فقد يصبح لدى موسكو حافز أكبر للبحث عن تسوية حقيقية.
أما إذا ظلت الضغوط محصورة في العقوبات الغربية والدعم العسكري لأوكرانيا، فإن روسيا قد تتمكن من الاستمرار في الحرب، خصوصاً إذا حافظت على علاقاتها الاقتصادية مع الصين وعلى الدعم العسكري القادم من شركائها.
وفي النهاية، يرى التحليل أن الطريق إلى إنهاء الحرب الأوكرانية يمر عبر بناء ائتلاف أوسع من التحالف الغربي التقليدي، يجمع بين الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا والصين، مع إشراك قوى إقليمية أخرى قادرة على التأثير في أطراف النزاع.
ويخلص الكاتب إلى أن تركيا يمكن أن تغير البنية الدبلوماسية المحيطة بالحرب إذا جرى استثمار نفوذها بالشكل الصحيح، بينما يمكن للضغط على الصين، بالتزامن مع تقديم حوافز لها، أن يغير المعادلة الاقتصادية التي تساعد روسيا على الصمود.
وبذلك، فإن نجاح أي إطار للسلام لن يعتمد فقط على قدرة ويتكوف وكوشنر على جمع المسؤولين الروس والأوكرانيين حول طاولة واحدة، وإنما على قدرة واشنطن وشركائها على تغيير حسابات القوى التي تمنح موسكو القدرة على مواصلة الحرب.
ويرى التحليل أن أي استراتيجية ناقصة الضغط ستنتج بالضرورة نتائج ناقصة، وأن التسوية المستدامة تحتاج إلى معالجة الجوانب العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية للصراع في وقت واحد.










