اتفاق يونيو يتحول إلى اختبار حاسم: قرى مدمرة، طرق مغلقة، وقوات إسرائيلية تواصل عملياتها رغم الحديث عن تسليم المنطقة للجيش اللبناني
بيروت – المنشر_الاخباري
يتكشف في جنوب لبنان واقع ميداني أكثر تعقيداً من الصورة التي يرسمها الاتفاق الإطاري الموقع بين إسرائيل والولايات المتحدة ولبنان، بعدما أظهرت جولة ميدانية في قريتي زوطر الغربية وفروُن أن ما يوصف بأنه «انسحاب إسرائيلي تدريجي» لا يترجم بالضرورة إلى استعادة كاملة للسيادة اللبنانية.
فالقرى الثلاث، زوطر الغربية وفروُن وصريفا، اختيرت لتكون «مناطق تجريبية» بموجب الاتفاق الذي بدأ تطبيقه في يوليو الماضي، على أساس أن تشكل نموذجاً لانتقال السيطرة إلى الجيش اللبناني، بالتزامن مع إنهاء الوجود المسلح لحزب الله فيها. غير أن الواقع الذي رصده تقرير «ميدل إيست آي» يكشف مفارقة واضحة: الحديث عن الانسحاب يجري بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في محيط هذه المناطق وأجزاء أخرى من جنوب لبنان.
في زوطر الغربية، تبدو آثار الحرب في كل مكان؛ مبانٍ مدمرة، جدران تحمل آثار الرصاص، وبنية تحتية متضررة. لكن المفارقة الأبرز أن التقرير لم يرصد مؤشرات واضحة على وجود إسرائيلي بري مستمر داخل القرية نفسها، ما يطرح سؤالاً أساسياً حول طبيعة المنطقة التي يفترض أن تشهد «انسحاباً» إسرائيلياً.
على بعد مئات الأمتار فقط، في زوطر الشرقية، بقيت القوات الإسرائيلية حاضرة، مع استمرار عمليات الهدم والقصف والتفجيرات، وفق المعطيات التي نقلها التقرير. وخلال زيارة ميدانية، سُمعت انفجارات وتصاعد دخان من المنطقة، بينما ظل الطريق الرئيسي الذي يربط القرى بمدينة النبطية غير متاح أمام السكان.
ويرى الباحث دانيال ميير أن «المناطق التجريبية» قد تتحول من آلية للانسحاب إلى أداة لإعادة تعريف السيطرة الإسرائيلية على جنوب لبنان، معتبراً أن وجود القوات الإسرائيلية في المناطق المحيطة يمنع الحديث عن استعادة فعلية للسيادة اللبنانية.
وتؤكد شهادات السكان حجم الأزمة. عباس حري، أحد أبناء زوطر الغربية، قال إن منزله أصبح غير صالح للسكن، وإن استمرار الانفجارات وإغلاق الطرق يمنع عودة الحياة الطبيعية. أما في فروُن، فأكد سكان أن الجيش الإسرائيلي لم يكن موجوداً بشكل دائم داخل القرية، رغم الدمار الواسع الذي خلفته الضربات.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر: قرى توصف بأنها مناطق انسحاب وتسليم للسلطات اللبنانية، بينما يستمر النشاط العسكري الإسرائيلي في محيطها، بما يجعل الحدود بين «الانسحاب» و«إعادة تموضع الاحتلال» شديدة الضبابية.
كما أن الاتفاق لا يحدد بوضوح موعداً نهائياً لخروج إسرائيل من المنطقة العازلة التي أنشأتها داخل الأراضي اللبنانية، في وقت تربط إسرائيل استمرار وجودها بمسألة سلاح حزب الله.
وبينما تراهن بيروت على الاتفاق لاستعادة سلطة الدولة، يرى سكان الجنوب أن السيادة لا يمكن أن تكون جزئية، ولا يمكن أن تعود الحياة إلى قراهم طالما بقيت القوات الإسرائيلية قادرة على القصف والتحرك في محيطها.
وبذلك، لا تبدو «المناطق التجريبية» مجرد ترتيب أمني مؤقت، بل اختباراً لمستقبل جنوب لبنان كله: هل يكون الاتفاق بوابة لانسحاب إسرائيلي حقيقي، أم صيغة جديدة لوجود عسكري طويل الأمد تحت عنوان مختلف؟










