تثير شبكات إجرامية تنحدر من عائلات سورية كبيرة في مدينة لايبزيغ بولاية ساكسونيا شرقي ألمانيا، اهتماما واسعا لدى الشرطة والقضاء الألمانيين.
وبحسب تقديرات رسمية صدرت عن مكتب التحقيقات الجنائية في الولاية ونشرها موقع “FOCUS Online”، تتراوح أعداد البيئة المحيطة بهذه الشبكات بين 700 وألف شخص.
وتتدرج الأنشطة المنسوبة لأفراد من هذه الأوساط لتشمل قضايا عنف، والاتجار بالمخدرات، وغسل الأموال، والاحتيال على المساعدات الاجتماعية والضريبية، فضلا عن تزوير الوثائق وتهريب البشر، مما يضع السلطات الأمنية أمام تحديات مركبة في مواجهة هذه الجريمة المنظمة.
وفي السياق نفسه، تؤكد الشرطة أن مجرد إدراج الأفراد ضمن ما يعرف بـ “بيئة الشبكات العائلية” لا يعني بالضرورة تورط الجميع في أعمال إجرامية.
وتشير المعطيات الأمنية إلى أن نحو 130 شخصا فقط من أصل التقديرات الإجمالية معروفون لدى السلطات بسجلات جنائية فعلية، بينما يعتقد أن بقية المحيطين بهم يقدمون دعما لوجستيا أو ماليا، أو يكتفون بتوفير الغطاء الاجتماعي والعائلي الذي يضمن استمرار هذه الأنشطة الخفية بعيدا عن أعين الرقابة المباشرة.
أربع عائلات رئيسية وأساليب تمويه تجارية
وبحسب رايكو ميرتينس، المسؤول عن قسم الجريمة المنظمة وقوة المهام الخاصة بالشبكات العائلية الإجرامية في مكتب التحقيقات الجنائية بساكسونيا، فإن النواة الأساسية لهذه البيئة تتشكل من أربع عائلات سورية كبيرة تتصدر المشهد الإجرامي في المنطقة.
ويلجأ أفراد هذه العائلات في كثير من الأحيان إلى استغلال الأنشطة التجارية القانونية – مثل المقاهي والمتاجر المختلفة – كواجهات لغسل الأموال أو كمواقع خلفية لتوزيع المخدرات، مع تسجيل تلك الأنشطة بأسمائهم أو بأسماء أقارب بعيدين لتشتيت الانتباه الأمني وتقليل المخاطر القانونية.
ويقدم المحققون نموذجا معبرا لعائلة سورية واحدة في لايبزيغ يضم محيطها أكثر من 60 فردا، حيث يعتمد رب الأسرة على الارتباط بعدة نساء بعقود دينية وإنجاب عشرات الأبناء والأحفاد المتواجدين في ساكسونيا.
وتتوزع الأدوار داخل هذه الهيكلية المعقدة بدقة بالغة؛ فبينما تتولى النواة الرئيسية تنفيذ العمليات المخالفة للقانون، يلعب الأقارب الآخرون أدوارا مساعدة وخفية تتراوح بين تسجيل السيارات والحسابات المصرفية والعقارات بأسمائهم، مما يعيق جهود تتبع الثروات غير المشروعة ويضمن حماية الرؤوس المدبرة من المساءلة المباشرة.
قصة “الملك بلال” وتداعيات الحوادث المرورية الخطيرة
ومن أبرز الملفات التي سلطت الضوء على هذه الشبكات قضية الشاب بلال الذي بات يعرف إعلاميا في ألمانيا بلقب “الملك بلال”.
وتعود تفاصيل قضيته الشهيرة إلى مارس 2023، حين قاد سيارة مرسيدس بسرعة جنونية وبدون رخصة قيادة على الطريق “B87” قرب مدينة إيلنبورغ شمال لايبزيغ، متسببا بحادث مروري مروع أدى إلى مقتل أربعة أشخاص وإصابة آخرين بجروح بليغة.
وفي فبراير 2025، أصدرت محكمة لايبزيغ حكما بحبسه ثلاث سنوات ونصف بعد إدانته بالقتل غير العمد في أربع حالات والقيادة بلا رخصة والفرار من مكان الحادث، وهو حكم أصبح نافذا بعد سحب استئنافه في نهاية العام نفسه.
ولم تقتصر سجلات بلال على تلك القضية، بل أشارت تقارير إعلامية لصحيفة “LVZ” إلى تورطه وشقيقيه غير الشقيقين (محمد ورامي) في قضايا إجرامية أخرى شملت تجارة المخدرات، والتهديد، وإتلاف الممتلكات، إلى جانب كتابة اسمه على جدران مرافق عامة في إشارة لفرض النفوذ.
وتكشف هذه التطورات عن طبيعة سلوكية متكررة لدى بعض أفراد هذه الأسر، الأمر الذي دفع السلطات القضائية والأمنية إلى تشديد الرقابة وملاحقة هذه الممارسات بحزم أكبر لردع أي محاولات لتشكيل “مناطق نفوذ” خارجة عن سيادة القانون الألماني.
معضلة الترحيل وتغير السياسات الاتحادية تجاه المجرمين
تتصدر قضية إمكانية ترحيل المدانين الخطرين النقاشات السياسية والقانونية في ألمانيا، خصوصا في ظل التغير الواضح في السياسة الألمانية خلال عامي 2025 و2026. فقد أعلنت الحكومة الاتحادية عن توجه جاد لإعادة المجرمين والعناصر الخطرة إلى سوريا، ونفذت بالفعل دفعات محدودة من عمليات الترحيل. وفي ولاية ساكسونيا وحدها، شهد الربع الأول من عام 2026 ترحيل 235 شخصا ملزمين بالمغادرة، من بينهم 93 شخصا من المدانين أو المتورطين في جرائم جنائية، رغم بقاء آلاف الحالات الخاضعة لإجراءات مؤقتة تمنع تنفيذ الترحيل لأسباب قانونية أو واقعية بحتة.
وفي المقابل، يشدد خبراء ومراقبون على ضرورة عدم تعميم هذه السلوكيات الإجرامية الفردية على الجالية السورية المقيمة في ألمانيا، والتي تتألف غالبيتها الساحقة من أشخاص يسعون للاندماج وبناء حياة آمنة وقانونية. فوجود شبكات عائلية محدودة تورطت في الجريمة المنظمة لا يمثل بالضرورة المجتمع السوري بأسره، بيد أن التعامل مع هذه الخلايا يتطلب موازنة دقيقة بين إنفاذ القوانين الصارمة ضد المجرمين والخطرين، والحفاظ على استقرار المجتمع ومنع أي تصنيفات تعميمية غير منصفة بحق الأغلبية الملتزمة بالقانون.









