طهران – المنشر_الاخباري
تعود باكستان إلى واجهة الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، مع وصول قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران في زيارة جديدة تهدف إلى تحريك المسار الدبلوماسي المتعثر بين البلدين، بعدما فشلت تفاهمات سابقة في الانتقال من مرحلة الاتفاق السياسي إلى التنفيذ الفعلي.
وتأتي زيارة منير في توقيت حساس للغاية، إذ تتزايد الضغوط الأميركية على إيران، بينما لا تزال الخلافات قائمة حول العقوبات وحرية الملاحة في مضيق هرمز والملف النووي، ما يجعل أي محاولة جديدة للوساطة أمام اختبار صعب.
وتعد هذه ثالث زيارة لمنير إلى إيران منذ اندلاع الحرب بهدف الوساطة، في مؤشر على استمرار تمسك إسلام آباد بمحاولة لعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن، رغم تعثر المبادرات السابقة.
مسار بدأ بمبادرة باكستانية
بدأت التحركات الباكستانية في مارس الماضي، عندما نقلت إسلام آباد مقترحاً أميركياً إلى إيران، إلا أن طهران رفضته، معتبرة أنه يتضمن مطالب تتعلق بقدراتها الدفاعية مقابل وعود غير واضحة بتخفيف العقوبات.
بعد ذلك حاولت باكستان تقديم صيغة أكثر توازناً تقوم على وقف العمليات العسكرية، وفتح مضيق هرمز، وتخفيف الحصار، ثم الانتقال إلى مفاوضات أوسع بشأن البرنامج النووي والعقوبات والأصول الإيرانية المجمدة.
وفي أبريل، زار منير طهران والتقى عدداً من كبار المسؤولين الإيرانيين، بينهم الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، قبل أن يعود مرة أخرى في مايو لمتابعة الاتصالات.
وأدت هذه الجهود لاحقاً إلى صياغة مذكرة تفاهم تضمنت وقف العمليات وفتح المضيق بصورة مؤقتة وتخفيف بعض العقوبات، على أن تبدأ بعد ذلك مفاوضات أوسع بشأن تسوية الملف النووي.
لماذا انهار الاتفاق؟
رغم الإعلان عن تقدم دبلوماسي، سرعان ما ظهر الخلاف الأساسي بين إيران والولايات المتحدة حول آلية تنفيذ الاتفاق.
إيران أرادت رفع العقوبات والحصار والإفراج عن أصولها المجمدة قبل اتخاذ خطوات تتعلق بمضيق هرمز، بينما أصرت واشنطن على إعادة حرية الملاحة أولاً، باعتبارها خطوة أساسية قبل الانتقال إلى بقية الملفات.
وبسبب هذا الخلاف، تعثر تنفيذ الاتفاق، وانتهت المهلة المحددة بستين يوماً من دون التوصل إلى تسوية نهائية أو إطلاق مفاوضات نووية شاملة.
كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يوليو أن الاتفاق انتهى، فيما أوقفت إيران العمل بالتفاهم.
هرمز.. العقدة الأكبر
يبقى مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية في الأزمة الحالية.
فالمضيق يمثل ممراً رئيسياً لحركة الطاقة العالمية، وأي اضطراب طويل في حركة الملاحة عبره ينعكس مباشرة على أسواق النفط والتجارة الدولية.
وتطالب واشنطن بإعادة حرية الملاحة، بينما تربط طهران أي خطوات بهذا الاتجاه بالحصول على ضمانات ورفع جزء من الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.
ومع استمرار الخلاف، تبقى حركة ناقلات النفط محدودة، بينما تتزايد المخاوف من تحول الأزمة الاقتصادية إلى مواجهة عسكرية أوسع.
عقوبات أميركية جديدة تزيد صعوبة المهمة
تأتي زيارة منير بالتزامن مع استعداد واشنطن للإعلان عن عقوبات جديدة ضد إيران، وسط تصريحات أميركية تتحدث عن إجراءات اقتصادية غير مسبوقة.
وتعتبر طهران أن استمرار العقوبات يشكل جزءاً من الضغوط الأميركية عليها، بينما ترى واشنطن أن العقوبات وسيلة لإجبار إيران على تقديم تنازلات في الملفات التي تعتبرها الإدارة الأميركية أساسية.
وهنا تواجه باكستان معضلة حقيقية؛ فكيف يمكن إقناع إيران بالعودة إلى التفاوض في الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدة لزيادة الضغط الاقتصادي عليها؟
ماذا تريد باكستان؟
لا تقتصر أهداف إسلام آباد على إنهاء الأزمة بين طهران وواشنطن، إذ تسعى أيضاً إلى منع تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تؤثر مباشرة على أمنها ومصالحها الاقتصادية.
وتتمتع باكستان بعلاقات مهمة مع إيران، كما ترتبط في الوقت نفسه بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة ودول الخليج.
ومن المتوقع أن تشمل محادثات منير ملفات عدة، بينها مستقبل مذكرة التفاهم، والعقوبات الأميركية، ومضيق هرمز، إضافة إلى التطورات الإقليمية ودور الحوثيين.
كما قد تتطرق المحادثات إلى الترتيبات الدفاعية الجديدة في المنطقة، في ظل تنامي التعاون الأمني بين باكستان وبعض الدول العربية.
هل تنجح الوساطة هذه المرة؟
رغم أن الوساطة الباكستانية تمكنت سابقاً من جمع المواقف المتباعدة والوصول إلى تفاهم مكتوب، فإن العقبة الحالية أكثر تعقيداً.
فالخلاف بين واشنطن وطهران أصبح مرتبطاً بسلسلة من الملفات المتشابكة، وليس فقط بوقف الحرب.
وتحتاج أي تسوية جديدة إلى اتفاق واضح بشأن العقوبات، وحركة الملاحة في هرمز، والبرنامج النووي، والضمانات التي يمكن أن تمنع انهيار أي اتفاق جديد بعد توقيعه.
ولهذا تبدو مهمة عاصم منير في طهران أقرب إلى محاولة إعادة تشغيل قناة دبلوماسية توقفت أكثر من كونها جولة تفاوضية تمهد لاتفاق جاهز.
وإذا تمكنت باكستان من إقناع الطرفين بالعودة إلى طاولة الحوار، فقد تشكل الزيارة بداية لمسار جديد. أما إذا بقيت الخلافات حول من يقدم الخطوة الأولى دون حل، فقد تتحول الوساطة إلى محاولة أخيرة لمنع انهيار المسار السياسي بالكامل.
وفي ظل التصعيد الاقتصادي المرتقب واستمرار أزمة مضيق هرمز، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الوساطة الباكستانية ستنجح في إنقاذ المفاوضات، أم أن الأزمة بين إيران والولايات المتحدة ستدخل مرحلة أكثر خطورة.








