نشرت مجلة “ذا أتلانتيك” تحليلا سياسيا بارزا للباحث والكاتب روبرت كاغان، يناقش التحولات التي طرأت على ميزان القوى في الشرق الأوسط، ويطرح قراءة شديدة الحدة مفادها أن إيران باتت، وفق هذا التصور، القوة الأكثر نفوذا في المنطقة، بعد أن نجحت في الصمود أمام حملة عسكرية وضغوط اقتصادية أمريكية وإسرائيلية واسعة.
ويرى التحليل أن الشرق الأوسط عاش لعقود في ظل توازن يميل بوضوح ضد طهران، إذ كانت الولايات المتحدة القوة المهيمنة، وإسرائيل تمتلك تفوقا عسكريا كبيرا، بينما حافظت دول عربية رئيسية، بينها مصر والسعودية والإمارات، على شراكات استراتيجية واقتصادية وثيقة مع واشنطن. أما إيران فكانت محاصرة بالعقوبات ومقيدة الحركة والنفوذ.
لكن الصورة، بحسب كاغان، تغيرت بصورة جذرية بعد المواجهات العسكرية الأخيرة. فطهران لم تكتف بالبقاء، وإنما اكتشفت نقاط ضعف خصومها، وفي مقدمتها هشاشة البنية التحتية للطاقة في الخليج، وحساسية الاقتصاد العالمي تجاه أي اضطراب في إمدادات النفط والغاز.
مضيق هرمز.. مركز القوة الجديد
يضع التحليل مضيق هرمز في قلب التحول الجديد. فالممر البحري يمثل شريانا أساسيا لتجارة الطاقة العالمية، والسيطرة الفعلية على حركة الملاحة فيه تمنح إيران نفوذا يتجاوز حجم قوتها العسكرية التقليدية.
ويرى كاغان أن اللحظة الفاصلة جاءت عندما أظهرت طهران قدرتها على تهديد منشآت الطاقة في الخليج ردا على استهداف منشآتها. فحتى إذا كانت إيران غير قادرة على هزيمة الولايات المتحدة في حرب جوية مباشرة، فإن قدرتها الصاروخية والطائرات المسيرة تتيح لها إلحاق أضرار مكلفة بالبنية التحتية للطاقة، بما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى أزمة طويلة.
وبحسب هذا الطرح، أدركت واشنطن ودول الخليج خطورة المعادلة سريعا، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى تجنب استهداف منشآت الطاقة الإيرانية مجددا، خشية الانجرار إلى تصعيد لا يمكن التحكم في تداعياته.
واشنطن أمام معضلة التصعيد
يشير التحليل إلى أن الولايات المتحدة وجدت نفسها أمام معضلة استراتيجية صعبة: تستطيع إلحاق أضرار عسكرية بإيران، لكنها قد تدفع ثمنا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا كبيرا إذا استمرت الحرب.
وتكررت، وفق الرواية التي يقدمها المقال، تهديدات أمريكية بشن هجمات جديدة، ترافقت في كل مرة مع تحذيرات إيرانية من استهداف المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة. ومع تراجع واشنطن عن تنفيذ تهديداتها، بدأت طهران، بحسب كاغان، تستنتج أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لمواصلة الصعود في “سلم التصعيد”.
ويضيف التحليل أن تراجع مخزونات الذخائر الأمريكية، والحاجة إلى الاحتفاظ بالقدرات العسكرية لمواجهة تحديات محتملة في مناطق أخرى من العالم، جعلا شن حرب واسعة جديدة ضد إيران أكثر خطورة بالنسبة إلى واشنطن.
من ورقة تفاوض إلى أداة نفوذ
في هذا السياق، يرى كاغان أن إيران لم تعد تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره مجرد ورقة تفاوضية للحصول على تنازلات من الولايات المتحدة، بل باعتباره عنصرا أساسيا في أمنها القومي وقوتها الجيوسياسية.
وتحدث التحليل عن جهود إيرانية لإنشاء آليات جديدة لإدارة المرور في المضيق، بما يشمل تسجيل السفن والحصول على تصاريح واتباع مسارات محددة، فضلا عن فرض رسوم مرتبطة بخدمات الأمن والتأمين.
الأهم من ذلك، وفق المقال، أن طهران تسعى إلى ترسيخ مبدأ مفاده أن المرور في المضيق يمكن أن يصبح امتيازا تمنحه إيران أو تؤجله أو ترفضه، وليس حقا مضمونا وفق الترتيبات السابقة.
ويرى كاغان أن هذه السيطرة قد تكون، من منظور إيراني، أكثر فائدة من امتلاك سلاح نووي؛ فالسلاح النووي يردع هجوما محتملا، بينما يمنح التحكم في مضيق هرمز نفوذا يوميا على عشرات الدول التي تعتمد على تدفقات الطاقة.
الخليج يعيد حساباته
لا تتوقف تداعيات التحول عند إيران والولايات المتحدة. فالدول الخليجية، التي اعتمدت طويلا على المظلة الأمنية الأمريكية، تجد نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم حساباتها.
ويشير التحليل إلى أن دول المنطقة باتت مضطرة إلى بناء علاقات أكثر توازنا مع طهران، بعدما أثبتت الأخيرة قدرتها على تهديد البنية التحتية التي تعتمد عليها اقتصادات الخليج.
كما يرى أن التحولات في العلاقات بين السعودية وتركيا وباكستان، إلى جانب تنامي الدور الصيني، قد تؤشر إلى نظام إقليمي أكثر استقلالا عن واشنطن وأقل اعتمادا على التحالف الأمريكي-الإسرائيلي التقليدي.
العقوبات أمام اختبار جديد
ويطرح التحليل سؤالا جوهريا حول مستقبل نظام العقوبات المفروض على إيران. فنجاح طهران في استخدام موقعها الجغرافي كورقة قوة قد يجعل دولا آسيوية وأوروبية تعتمد على الطاقة المارة عبر الخليج أكثر ترددا في الالتزام بعقوبات تفرضها واشنطن.
وإذا أصبحت كلفة الالتزام بالعقوبات أعلى من كلفة التعامل مع إيران، فقد تتراجع فاعلية نظام الضغط الاقتصادي الذي استخدم لعقود بهدف عزل الجمهورية الإسلامية وإضعافها.
كما أن تطوير طرق بديلة لتصدير الطاقة بعيدا عن هرمز قد يحتاج إلى سنوات واستثمارات ضخمة، بينما تظل تلك المنشآت عرضة، بحسب التحليل، للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
إيران بعد الحرب
ويرى كاغان أن إيران التي تخرج من هذه المواجهة ليست إيران التي دخلتها. فقد أعادت، وفق رؤيته، ترتيب مؤسساتها الأمنية، وعززت حضور التيار المتشدد داخل دوائر صنع القرار، بينما أصبح الاعتقاد بأن “التحدي” أكثر فاعلية من “المساومة” أكثر رسوخا لدى القيادة الإيرانية.
وقد يدفع هذا الشعور بالانتصار إلى طموحات أوسع، وربما إلى إعادة بناء البرنامج النووي وتعزيز التعاون العسكري مع روسيا والصين، مستفيدة من الوقت الذي تحتاجه الولايات المتحدة لإعادة تكوين مخزوناتها العسكرية.
تداعيات تتجاوز الشرق الأوسط
لا يقتصر أثر التحول، وفق التحليل، على المنطقة. فحلفاء الولايات المتحدة في آسيا وأوروبا قد يعيدون تقييم مدى قدرة واشنطن على خوض حرب طويلة ومكلفة في الوقت نفسه الذي تواجه فيه تحديات أخرى من الصين وروسيا.
والرسالة الأوسع، بحسب كاغان، هي أن قوة عظمى قد تبدأ حربا ضد خصم أضعف، لكنها قد تجد نفسها مضطرة إلى وقفها عندما تصبح كلفة التصعيد أعلى من المكاسب المتوقعة.
ومن هنا يخلص التحليل إلى أن إيران، بعد نجاتها من حملة عسكرية واقتصادية غير مسبوقة، قد تخرج بثقة أكبر ونفوذ أوسع وقدرة أكبر على فرض شروطها. وإذا صحت هذه القراءة، فإن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة جديدة لا تكون فيها واشنطن وحدها صاحبة الكلمة الفصل، بل أمام نظام إقليمي متعدد القوى تتبوأ فيه طهران موقعا مركزيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في أمن الطاقة العالمي.
ويحذر كاغان من أن أخطر ما في هذا التحول ليس مجرد امتلاك إيران أدوات جديدة للردع، وإنما احتمال أن يؤدي نجاحها إلى زيادة طموحاتها، ودفعها إلى تبني سياسة أكثر هجومية. وبذلك، فإن السؤال لم يعد فقط كيف يمكن احتواء إيران، بل كيف سيتعامل العالم مع إيران التي لم تعد تخشى، وفق هذا التصور، أن تكون الولايات المتحدة قادرة على إجبارها على التراجع.










