واشنطن – المنشر_الاخباري
كثفت الولايات المتحدة تحركاتها الدبلوماسية لاحتواء التوتر المتصاعد في سوريا، داعية إسرائيل إلى ضبط النفس والاستمرار في الحوار مع كل من دمشق وأنقرة، في محاولة لمنع تحول الخلافات الأمنية إلى مواجهة إقليمية أوسع قد تعيد خلط الأوراق في المشهد السوري.
وجاءت الدعوة الأمريكية عقب الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور في شمال سوريا، والتي تقول إسرائيل إنها كانت مرتبطة بتحركات عسكرية تركية داخل الأراضي السورية، بينما ترى واشنطن أن استمرار التصعيد قد يهدد الاستقرار الهش الذي بدأ يتشكل بعد إعادة ترتيب الأوضاع السياسية والعسكرية في البلاد.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تواصل إجراء اتصالات مع إسرائيل وتركيا وسوريا، مؤكداً أن “ضبط النفس والحوار يمثلان أفضل السبل لمنع مزيد من التصعيد”، وأن واشنطن تعمل على دعم استقرار سوريا مع الحفاظ على حق إسرائيل في الدفاع عن أمنها.
اتصالات ثلاثية لمنع الانفجار
وبحسب المسؤول الأمريكي، فإن الاتصالات الجارية تشمل قنوات مباشرة وغير مباشرة بين الأطراف الثلاثة، في إطار جهود تهدف إلى منع سوء التقدير العسكري الذي قد يقود إلى مواجهة بين إسرائيل وتركيا على الأراضي السورية.
وأكدت واشنطن أنها تسعى إلى تحقيق توازن بين عدة أهداف متشابكة، تشمل الحفاظ على سيادة سوريا واستقرارها، ودعم الحكومة الجديدة في دمشق، وضمان أمن إسرائيل، ومنع تحول سوريا إلى ساحة صراع مباشر بين حلفاء الولايات المتحدة.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس إدراكاً أمريكياً بأن أي صدام بين إسرائيل وتركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ستكون له تداعيات تتجاوز الساحة السورية، وقد يؤثر على توازنات الشرق الأوسط بأكمله.
لقاءات أمنية بين دمشق وتل أبيب
وتزامناً مع هذه التحركات، كشفت تقارير عن استمرار الاتصالات الأمنية بين إسرائيل وسوريا، حيث عقد رئيس جهاز الموساد، رومان غوفمان، اجتماعاً مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في الأردن، ضمن مساعٍ لخفض التوتر وإعادة فتح قنوات الحوار الأمني بين الجانبين.
وبحسب المعلومات، جرى اللقاء بوساطة أمريكية، وركز على التطورات الأخيرة في سوريا، والمخاوف المتزايدة من احتمال وقوع احتكاك عسكري بين إسرائيل وتركيا مع توسع النفوذ التركي داخل الأراضي السورية.
ورغم تأكيد واشنطن استمرار التواصل مع جميع الأطراف، فإنها امتنعت عن الكشف عن طبيعة دورها في ترتيب هذا الاجتماع أو تفاصيل المباحثات التي سبقته.
خلاف أمريكي – إسرائيلي بشأن الضربة
وأثارت الضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور خلافاً علنياً بين واشنطن وتل أبيب، بعدما شكك المبعوث الأمريكي إلى سوريا والسفير الأمريكي لدى تركيا، توم باراك، في التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية التي استندت إليها العملية العسكرية.
لكن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس رفض هذه التصريحات، مؤكداً أن العملية استندت إلى “معلومات استخباراتية واضحة”، وأن تلك المعلومات جرى تقاسمها مع الولايات المتحدة قبل تنفيذ الضربة.
ويعكس هذا التباين اختلافاً في تقييم مستوى التهديد الذي يمثله الوجود التركي داخل سوريا، إذ ترى إسرائيل أن التوسع العسكري التركي قد يقيد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي مستقبلاً، بينما تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى معالجة الملف عبر القنوات الدبلوماسية.
لماذا تخشى إسرائيل الوجود التركي؟
تزايد النفوذ التركي في سوريا يمثل أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، خصوصاً مع مشاركة أنقرة في دعم الحكومة السورية الجديدة والمساهمة في إعادة بناء مؤسسات الجيش والأمن.
وتخشى إسرائيل من أن يؤدي نشر أنظمة دفاع جوي تركية أو رادارات متطورة أو قوات دائمة في قواعد سورية إلى الحد من قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأجواء السورية، وهو ما تعتبره جزءاً أساسياً من استراتيجيتها لمواجهة التهديدات الإقليمية.
كما ترى تل أبيب أن أي بنية عسكرية تركية طويلة الأمد قد تخلق واقعاً جديداً يصعب التعامل معه مستقبلاً، خاصة إذا ترافق مع تعاون أمني متزايد بين دمشق وأنقرة.
عمليات إسرائيلية مستمرة
ورغم الدعوات الأمريكية إلى التهدئة، واصل الجيش الإسرائيلي عملياته داخل سوريا، حيث أعلن تنفيذ غارة في منطقة بيت جن جنوب البلاد استهدفت عنصراً قال إنه كان في المراحل الأخيرة من التخطيط لهجمات ضد القوات الإسرائيلية.
في المقابل، أدانت الحكومة السورية الضربة، ووصفتها بأنها انتهاك جديد للسيادة السورية، مؤكدة أن استمرار الهجمات الإسرائيلية يهدد جهود إعادة الاستقرار إلى البلاد.
واشنطن تحاول رسم توازن جديد
وتحاول الولايات المتحدة الحفاظ على توازن دقيق بين دعمها التقليدي لإسرائيل، ورغبتها في إنجاح المرحلة السياسية الجديدة في سوريا، ومنع أي مواجهة مع تركيا التي تعد أحد أهم حلفائها داخل حلف الناتو.
ويعتقد محللون أن الإدارة الأمريكية تخشى من أن يؤدي التصعيد الحالي إلى تقويض الجهود المبذولة لإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، أو فتح جبهة جديدة بين حلفاء واشنطن في المنطقة.
وفي ظل استمرار الضربات الإسرائيلية، واتساع الحضور التركي، وتصاعد الحساسية الأمنية في سوريا، تبدو واشنطن مصممة على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع جميع الأطراف، أملاً في منع الأزمة من التحول إلى صدام مباشر قد يغيّر معادلات الأمن الإقليمي.










