لندن – المنشر_الاخباري
أقر رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون بأن الولايات المتحدة ارتكبت «خطأ» بشنها هجوماً عسكرياً على إيران، محذراً من أن واشنطن دخلت في «فخ واضح» من دون استراتيجية متماسكة أو أهداف محددة للحرب.
وجاءت تصريحات جونسون خلال مشاركته في منتدى القادة العالميين لصحيفة «إيكونوميك تايمز» في العاصمة الهندية نيودلهي، حيث وجّه انتقادات لافتة إلى طريقة تعامل الولايات المتحدة وبريطانيا مع التصعيد العسكري مع إيران، معتبراً أن لندن كان بإمكانها محاولة منع واشنطن من اتخاذ هذا المسار.
جونسون: كان يمكن لبريطانيا منع الوقوع في الفخ
قال جونسون إنه يعتقد أن بريطانيا كان بإمكانها المساعدة في تجنب ما وصفه بـ«الفخ الواضح»، منتقداً عدم إجراء مشاورات كافية بين واشنطن ولندن قبل بدء الهجوم.
وأضاف أن المسؤولين البريطانيين كان يتعين عليهم مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاريه ووزارة الدفاع الأمريكية بتقديم إجابات واضحة بشأن الأهداف الحقيقية للعملية العسكرية، وما إذا كانت لدى واشنطن خطط للتعامل مع التداعيات المحتملة للرد الإيراني.
وبحسب جونسون، كان من بين أهم الأسئلة التي ينبغي طرحها ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للتعامل مع سيناريوهات تصعيد خطيرة، من بينها احتمال إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.
«لماذا لم تحذر أجهزة الاستخبارات البريطانية؟»
لم يكتف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بانتقاد واشنطن، بل وجه أيضاً تساؤلات إلى أجهزة الأمن والاستخبارات البريطانية.
وتساءل جونسون عن سبب عدم تحذير الحكومة البريطانية من أن الولايات المتحدة كانت تتجه نحو ما وصفه بـ«فخ رهيب»، مشيراً إلى أن بريطانيا، باعتبارها أحد أقرب حلفاء واشنطن، كان يتعين عليها أن تطلب توضيحات بشأن أهداف الحرب والنتائج المحتملة لها.
وتكشف تصريحات جونسون عن انتقاد نادر من شخصية سياسية بريطانية بارزة لطريقة إدارة واشنطن للصراع مع إيران، خصوصاً أن بريطانيا كانت تاريخياً من أكثر حلفاء الولايات المتحدة قرباً في الملفات العسكرية والأمنية.
الحرب دفعت واشنطن إلى «طريق مسدود»
ووصف جونسون الوضع الذي تجد الولايات المتحدة نفسها فيه حالياً بأنه «طريق مسدود»، داعياً إلى البحث بصورة عاجلة عن مخرج للأزمة بدلاً من الاستمرار في المسار العسكري.
وقال إن الولايات المتحدة وبريطانيا والهند يمكن أن تعمل معاً للمساعدة في احتواء تداعيات الأزمة، بما في ذلك محاولة تحقيق الاستقرار في أسواق النفط وإعادة حركة الملاحة إلى مساراتها الطبيعية.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل المخاوف من تأثير أي تصعيد حول إيران على إمدادات الطاقة العالمية، ولا سيما إذا امتدت تداعيات المواجهة إلى حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
جونسون يدعو إلى اتفاق مع إيران
أكد جونسون أن الحل الدبلوماسي يظل ضرورياً للخروج من الأزمة، حتى لو كانت المفاوضات مع طهران صعبة ومعقدة.
وقال بوضوح إن على الأطراف المعنية إيجاد وسيلة للتوصل إلى اتفاق مع إيران، في إشارة إلى أن استمرار المواجهة العسكرية لن يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الأهداف التي وضعتها واشنطن.
وتأتي هذه الدعوة في وقت وصلت فيه العلاقات بين واشنطن وطهران إلى واحدة من أكثر مراحلها توتراً، وسط انعدام الثقة بين الجانبين وتصاعد الضغوط العسكرية والاقتصادية.
لماذا تثير تصريحات جونسون الاهتمام؟
تكمن أهمية تصريحات جونسون في أنه ليس سياسياً بريطانياً سابقاً فحسب، بل كان خلال فترة رئاسته للحكومة أحد أبرز الداعمين للعلاقة الاستراتيجية بين لندن وواشنطن.
لذلك فإن اعترافه بأن الحرب كانت «خطأ»، وقوله إن الولايات المتحدة ربما وقعت في «فخ واضح»، يحمل دلالة سياسية تتجاوز مجرد انتقاد قرار عسكري.
كما أن حديثه عن ضرورة معرفة أهداف الحرب وخطط التعامل مع الرد الإيراني يسلط الضوء على السؤال الذي يرافق أي عملية عسكرية واسعة: ماذا يحدث في اليوم التالي؟
فإذا لم تكن هناك استراتيجية واضحة لما بعد الضربات، فإن تحقيق مكاسب عسكرية محدودة قد لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق أهداف سياسية أوسع.
مضيق هرمز في قلب الحسابات
ركز جونسون بصورة خاصة على احتمال إغلاق مضيق هرمز، وهو ما يعكس أهمية الموقع في حسابات أي مواجهة عسكرية مع إيران.
ويُعد المضيق ممراً حيوياً لتجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب كبير في حركة السفن عبره يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة تكاليف النقل والتأمين، فضلاً عن انعكاسات أوسع على الاقتصاد العالمي.
ولهذا فإن أي استراتيجية عسكرية تجاه إيران لا تقتصر تداعياتها على ساحات القتال، بل يمكن أن تمتد إلى أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
ومن وجهة نظر جونسون، كان يتعين على صانعي القرار في واشنطن ولندن دراسة هذه الاحتمالات قبل الانخراط في التصعيد.
من الحرب إلى الدبلوماسية
تكشف تصريحات جونسون عن تحول في النقاش السياسي الغربي من سؤال «كيف يمكن تحقيق النصر عسكرياً؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف يمكن الخروج من الأزمة؟».
فالدعوة إلى اتفاق مع إيران تعني أن استمرار العمليات العسكرية وحده لا يوفر بالضرورة مخرجاً سياسياً، خصوصاً إذا كان الطرف الآخر يمتلك القدرة على الرد وفتح جبهات ضغط إضافية.
كما أن أي اتفاق مستقبلي سيكون مرتبطاً على الأرجح بملفات متعددة، تشمل الأمن الإقليمي والبرنامج النووي والعقوبات والعلاقات الأمريكية الإيرانية ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
اعتراف قد يفتح نقاشاً داخل الغرب
قد تفتح تصريحات جونسون نقاشاً أوسع داخل العواصم الغربية بشأن القرارات التي سبقت التصعيد، وما إذا كانت المخاطر والنتائج المحتملة قد جرى تقديرها بصورة كافية.
فانتقاد رئيس وزراء بريطاني سابق للقرار الأمريكي، إلى جانب تساؤله عن أداء أجهزة الاستخبارات البريطانية، يضع المسؤولين أمام سؤال أساسي حول مستوى التنسيق بين الحلفاء قبل اتخاذ قرارات عسكرية ذات تداعيات إقليمية ودولية واسعة.
وفي الوقت نفسه، لا تعني تصريحات جونسون بالضرورة أن هناك تحولاً كاملاً في الموقف البريطاني، لكنها تشير إلى وجود انتقادات متزايدة للطريقة التي أُدير بها التصعيد مع إيران.
رسالة بوريس جونسون الأساسية كانت واضحة: الحرب لا يمكن أن تكون بديلاً عن الاستراتيجية، والضربات العسكرية من دون أهداف سياسية واضحة قد تدفع أصحابها إلى مأزق أكبر بدلاً من تحقيق النتيجة المطلوبة.
ووصف جونسون التحرك الأمريكي بأنه «خطأ»، وقال إن واشنطن وقعت في «فخ واضح»، بينما دعا الولايات المتحدة وبريطانيا والهند إلى التعاون من أجل احتواء الأزمة واستعادة استقرار أسواق النفط والملاحة.
لكن الأهم في تصريحاته كان تأكيده أن الطريق إلى الخروج من الأزمة يمر في النهاية عبر الدبلوماسية، قائلاً إن التوصل إلى اتفاق مع إيران يظل ضرورياً مهما كانت صعوبة المفاوضات.
وبذلك، تضع تصريحات جونسون علامات استفهام جديدة حول الحسابات التي سبقت التصعيد، وحول ما إذا كانت واشنطن تمتلك بالفعل استراتيجية واضحة للخروج من الأزمة، أم أن البحث عن تسوية سياسية أصبح الآن ضرورة بعد أن أثبت الخيار العسكري أنه أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.









