شهدت العاصمة النيجرية نيامي تحركات عسكرية متسارعة بدأت بعد منتصف ليل التاسع والعشرين من أغسطس داخل القاعدة الجوية 101 الواقعة في محيط مطار ديوري حماني، قبل أن تتطور سريعاً من مجرد احتجاج عسكري داخلي إلى محاولة انقلاب منسقة أطاحت بهدوء المدينة.
وقد قاد هذا التحرك ضباط وجنود شباب مدعومين بعناصر قادمة من وحدات عسكرية متمركزة في مناطق “والام” و”تيرا” و”دوسو”؛ وهي جبهات ساخنة تكبدت خسارات متكررة وباهظة في مواجهة الجماعات المتطرفة.
تمحورت الأسباب الكامنة وراء هذا الغضب العسكري حول التدهور المستمر في الوضع الأمني، والضعف الملحوظ في تسليح الوحدات الميدانية مقارنة بالإمكانات المخصصة للحرس الرئاسي، فضلاً عن كثرة أعداد القتلى في صفوف الجنود وتأخر صرف المستحقات والرواتب والترقيات العسكرية، وفقاً لمعلومات محلية وردت من مصادر خاصة رغم غياب التأكيد الرسمي الفوري من السلطات.
هجمات على المواقع الحيوية وسيطرة مؤقتة للمتمردين
شنّ المتمردون هجمات منسقة استهدفت القاعدة الجوية 101، ومطار نيامي، والمناطق المحيطة بالقصر الرئاسي، ونجحوا في تعطيل بث التلفزيون والإذاعة الرسميين لأكثر من ساعة.
وأفادت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية بأن المتمردين سيطروا مؤقتاً على المطار والمسيرات التركية الموجودة فيه، بينما احتفظ الحرس الرئاسي الموالي للجنرال عبد الرحمن تياني بالسيطرة على القصر ووسط العاصمة، وصد محاولة فاشلة لاقتحام مقر الرئاسة. وفي المقابل، بقيت القاعدة 101 والمطار تحت سيطرة المتمردين حتى وقت متأخر من بعد الظهر.
حاول المتمردون -بحسب مصادر خاصة- استمالة ضباط كبار وانتظار انضمام وحدات عسكرية أخرى بالتزامن مع مفاوضات مكثفة داخل المؤسسة العسكرية، دون أن يتأكد مشاركة تياني شخصياً في تلك الاتصالات.
وفي حين أعلنت وزارة الدفاع احتواء التمرد والبدء في “الاستعادة التدريجية” للمواقع، أكدت وكالتا “رويترز” و”لوموند” استمرار سيطرة المتمردين على القاعدة بعد صدور البيان الرسمي.
الاتهامات الموجهة لفرنسا والتحول في الموقف الميداني
وجّه التلفزيون الرسمي في النيجر اتهامات مباشرة وصريحة لفرنسا بالوقوف وراء محاولات زعزعة استقرار البلاد، معتبرة أن باريس لجأت إلى إثارة الانقسام والفتنة داخل صفوف الجيش كبديل عن الهجمات الإرهابية الفاشلة.
واعتبرت النشرة الرئيسية أن “الإمبريالية الفرنسية” تحاول حماية نفوذها المنهك، متوقعة فشل هذه المساعي في ظل نهاية ولاية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
ةعلى الصعيد الميداني، بقي نحو 200 عنصر من “الفيلق الأفريقي” الروسي و300 عسكري إيطالي خارج المواجهة في الساعات الأولى، قبل أن يتغير الموقف الروسي جذرياً.
وأعلن السفير الروسي فيكتور فوروبايف أن قيادة القاعدة 101 طلبت مساعدة “الفيلق الأفريقي”، وأن كبار قادة الجيش النيجري زاروا الموقع الروسي لشكر عناصره على المشاركة في قمع التمرد، وهو التطور الحاسع الذي رجح كفة تياني.
كما أعلن السفير إحباط محاولة مسلحين اقتحام فندق “برافيا” حيث يقيم دبلوماسيون روس وبرلمانيون من تحالف دول الساحل.
ورطة تياني السياسية ومعضلة الأمن في الساحل
عندما استولى الجنرال عبد الرحمن تياني على السلطة، نصب لنفسه فخاً سياسياً محكماً؛ إذ جعل من “استعادة الأمن” المبرر الوحيد لعزل الرئيس المنتخب، ليصبح هذا الوعد المعيار القاسي الذي يُحاكم به نظامه.
وفي عالم العسكر، لا يمكنك تبرير انقلابك بعجز الآخرين عن حماية الحدود، ثم تعجز عن حماية العاصمة نفسها.
لقد بنى تياني مقاربته على افتراض خاطئ مفاده أن تغيير الحلفاء يكفي لتغيير الواقع الميداني، فبادر إلى طرد القوات الأميركية وتفكيك شبكات الاستطلاع والمراقبة في نيامي وأغاديز، متناسياً أن مكافحة الإرهاب في الصحراء الشاسعة هي معركة معلومات واستباق.
واستبدل النظام ذلك بوجود روسي عبر “الفيلق الأفريقي”، مما كشف فارقاً جوهرياً بين شريك يمتلك قدرات استخباراتية لرصد خلايا التنظيمات المتطرفة، وشريك جديد تقتصر فاعليته على حماية مقاليد الحكم في المركز، بينما يُرك الجنود على الأرض يواجهون أشهراً قاسية من الاستهداف والکمائن بعتاد بائس لا يتجاوز تسليح نقطة شرطة داخلية.










