أصدرت محكمة التحكيم في لاهاي قراراً يلزم الهند بالالتزام بمعاهدة مياه نهر السند مع باكستان، وتعليق العمل في مشاريع الطاقة الكهرومائية المرتبطة بها، في انتصار دبلوماسي وقانوني كبير لجمهورية باكستان الإسلامية في نزاعها المستمر ضد التعليق الأحادي الجانب لمعاهدة مياه نهر السند.
وقضت المحكمة التحكيم في قرار أصدرته بالإجماع أن معاهدة مياه السند المبرمة عام 1960 لا تزال سارية المفعول بالكامل، مشددة على عدم وجود أي مبرر قانوني يتيح لنيودلهي إنهاء الاتفاقية أو تعليق العمل بها بشكل أحادي.
وأوضحت المحكمة، التي ترأسها البروفيسور شون دي. مورفي، أنها درست كافة الأسس والمبررات التي استندت إليها الهند في تصريحاتها العامة، بما في ذلك الذرائع المتعلقة بسيادتها أو بوجود تغيير جوهري في الظروف، لتخلص إلى أن قواعد القانون الدولي العرفي لا تمنح أي دولة حق التحلل من المعاهدات الدولية بمعزل عن الشريك الآخر.
خلفيات النزاع وأبعاد الأزمة الدبلوماسية والعسكرية
تعود جذور الأزمة المحتدمة إلى إقدام الهند في أبريل من العام الماضي على تعليق الاتفاقية بصورة أحادية الجانب، وهي الخطوة التصعيدية التي أعقبها نزاع عسكري قصير ومحدود بين الجانبين في مايو 2025. ووصفت إسلام آباد حينها محاولات المساس بحصتها المائية بأنها “عمل حربي” يشكل انتهاكاً صارخاً لمعاهدة مياه السند ولاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.
وعقب لجوء باكستان إلى التحكيم الدولي وتقديمها طلبات رسمية لتحديد الوضع القانوني للمعاهدة، امتنعت الهند عن المشاركة المباشرة في تقديم المذكرات المكتوبة أو الشفهية خلال جلسات الاستماع التي عُقدت في قصر السلام بلاهاي بين 26 و28 أبريل الماضي، رغم دعوات المحكمة المتكررة لها لإبداء الرأي.
تدابير مؤقتة وقيود صارمة على مشاريع سدود كشمير
وفي إطار التدابير المؤقتة التي طلبتها إسلام آباد، فرضت محكمة التحكيم الدائمة قيوداً عملية واضحة على أعمال البناء الهندية في مشاريع الطاقة الكهرومائية المتنازع عليها، وتحديداً محطة “كيشنغانغا” ومحطة “راتل” الكهرومائية في إقليم كشمير الخاضع للإدارة الهندية. وأمرت المحكمة بمنع الهند من صب الخرسانة في جدار سد محطة “راتل” وهيكل مأخذ الطاقة فوق مستويات محددة، إلى جانب فرض التزامات دورية بالإبلاغ عن جداول البناء.
وستظل هذه القيود سارية المفعول حتى مرور 90 يوماً على الأقل بعد صدور القرار النهائي المرتقب لخبير محايد عينه البنك الدولي، والذي سيتولى بحلول يوليو 2027 تقييم مدى توافق التصميمات الهندسة للمحطات مع شروط معاهدة مياه السند لعام 1960.
إطار المعاهدة التاريخي وتداعيات القرار المستقبلية
تُعد معاهدة مياه نهر السند، التي وُقّعت عام 1960 برعاية البنك الدولي، الوثيقة الناظمة لتقاسم مهار الأنهار المشتركة؛ حيث تخصص الأنهار الشرقية (رافي، بياس، سوتليج) للهند، بينما تمنح الغالبية الساحقة من مياه الأنهار الغربية (السند، جيلوم، تشيناب) لباكستان، متضمنة آليات دقيقة لتبادل البيانات وفض النزاعات.
ويُتوقع أن يشكل هذا الحكم التاريخي والصادر بالإجماع عن محكمة لاهاي نقطة تحول كبرى في مسار العلاقات الهندية الباكستانية، لا سيما وأنه يرسخ مبدأ عدم جواز اتخاذ قرارات أحادية في قضايا الأمن المائي الحيوية، بانتظار ما سيسفر عنه تقييم الخبير الدولي في صيف عام 2027.









