دمشق – المنشر_الاخباري
في خطوة تعد من أبرز التحولات في المشهد السوري بعد سنوات من الحرب، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» إنهاء وجودها كقوة عسكرية مستقلة، وبدء اندماج عناصرها ومؤسساتها ضمن هياكل الدولة السورية، لتطوي بذلك صفحة عسكرية استمرت لأكثر من عقد، وتفتح في المقابل مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة لمستقبل الأكراد ودورهم السياسي والأمني في البلاد.
وجاء الإعلان في 25 أغسطس/آب، عندما أعلن قائد «قسد» مظلوم عبدي انتهاء مهمة القوات ككيان عسكري مستقل، في إطار الاتفاق المبرم مع الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع. وبموجب الترتيبات الجديدة، يجري دمج المقاتلين ضمن المؤسسة العسكرية والأمنية السورية، بالتزامن مع انتقال المؤسسات المدنية والإدارية في مناطق شمال شرقي البلاد إلى مؤسسات الدولة.
نهاية قوة عسكرية بارزة
تأسست «قسد» عام 2015، وبرزت بوصفها القوة المحلية الرئيسية التي حاربت تنظيم الدولة الإسلامية في مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا، بدعم عسكري وسياسي من الولايات المتحدة.
وخلال سنوات الحرب، تمكنت القوات من بسط نفوذها على مساحات واسعة، وأقامت إلى جانب قوتها العسكرية منظومة إدارية وأمنية ومدنية خاصة بها، الأمر الذي جعلها أحد أهم مراكز القوة خارج سيطرة دمشق.
لكن سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024 غيّر موازين القوى بصورة كبيرة، وبدأت مرحلة جديدة عنوانها الأساسي إعادة بناء الدولة السورية وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية. ومع وصول الحكومة الجديدة إلى دمشق، أصبحت مسألة دمج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً.
من المواجهة إلى الاندماج
لم يكن الطريق إلى الحل سريعاً. فقد شهدت العلاقة بين «قسد» ودمشق جولات من التفاوض والتوتر، قبل أن تؤدي التطورات العسكرية والسياسية خلال عام 2026 إلى تسريع مسار الاندماج.
وبموجب الاتفاقات الأخيرة، لم يعد مستقبل «قسد» مرتبطاً باستمرارها كقوة مستقلة، بل بقدرتها على نقل مقاتليها ومؤسساتها إلى منظومة الدولة الجديدة.
وتشمل عملية الدمج القوات الأمنية التابعة لـ«قسد»، إلى جانب قطاعات مدنية كانت تدار بصورة مستقلة في مناطق سيطرتها، بما في ذلك قطاعات التعليم والمنشآت النفطية والغازية والسدود والخدمات المحلية.
وفي مؤشر على انتقال قادة سابقين في «قسد» إلى مرحلة سياسية جديدة، عُيّن مظلوم عبدي لاحقاً مستشاراً للرئيس السوري، في خطوة تعكس محاولة تحويل العلاقة من صراع على النفوذ إلى شراكة داخل مؤسسات الدولة.
ماذا ينتظر الأكراد؟
السؤال الأهم الآن لا يتعلق بمصير «قسد» كقوة عسكرية، بل بمستقبل الحقوق السياسية والثقافية والأمنية للأكراد داخل سوريا.
فحل التنظيم العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء المطالب الكردية، بل ينقلها إلى ساحة مختلفة، عنوانها الدستور والقوانين والمؤسسات السياسية والإدارية.
وقد تضمن المسار الجديد تعهدات تتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، من بينها الاعتراف بحق التعليم باللغة الكردية، إلى جانب إجراءات أخرى تهدف إلى دمج الأكراد ضمن الدولة السورية الجديدة.
لكن الاختبار الحقيقي سيكون في كيفية تنفيذ هذه التعهدات على الأرض، ومدى حصول المناطق ذات الغالبية الكردية على تمثيل سياسي وإداري مناسب، وكذلك مستقبل المؤسسات التي نشأت خلال سنوات الإدارة الذاتية.
ملف «قسد» النسائية يثير تساؤلات
ومن أكثر الملفات تعقيداً مستقبل وحدات حماية المرأة «YPJ»، التي لعبت دوراً بارزاً في الحرب ضد تنظيم الدولة.
وتواجه عملية إدماج المقاتلات الكرديات في المؤسسة العسكرية الجديدة عقبات مرتبطة بطبيعة الجيش السوري الجديد وتركيبته، إذ تشير تقارير إلى أن المقاتلات قد يواجهن خيارات مختلفة عن المقاتلين الرجال، وهو ما يجعل هذا الملف أحد الاختبارات المهمة للاتفاق الجديد.
تركيا تراقب التطورات
ولا يقتصر تأثير حل «قسد» على الداخل السوري، إذ تتابع تركيا التطورات عن كثب بسبب موقفها الرافض منذ سنوات للارتباطات التي ترى أنها تجمع بين «قسد» وحزب العمال الكردستاني.
ولهذا فإن تفكيك «قسد» كقوة مستقلة ودمج عناصرها في مؤسسات الدولة السورية يمكن أن يخفف جانباً من التوتر الإقليمي، لكنه لن ينهي جميع الخلافات المتعلقة بالملف الكردي.
مرحلة جديدة لسوريا
وبالنسبة لدمشق، يمثل حل «قسد» خطوة مهمة باتجاه إعادة توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء تعدد مراكز القوة العسكرية الذي نشأ خلال سنوات الحرب.
أما بالنسبة للأكراد، فالمعادلة أكثر تعقيداً؛ فقد خسروا القوة العسكرية المستقلة التي كانت تمنحهم نفوذاً واسعاً، لكنهم في المقابل يدخلون مرحلة جديدة يمكن أن تتيح لهم تثبيت بعض حقوقهم داخل مؤسسات الدولة بدلاً من إدارتها خارجها.
وبذلك، فإن نهاية «قسد» قد لا تكون نهاية المشروع السياسي الكردي في سوريا، وإنما انتقاله من ساحات القتال إلى ساحات السياسة والمؤسسات والقانون.
ويبقى التحدي الأكبر أمام المرحلة المقبلة هو ضمان ألا يتحول الاندماج العسكري إلى مجرد تفكيك لقوة «قسد»، بل إلى اتفاق سياسي طويل الأمد يضمن مشاركة الأكراد في بناء سوريا الجديدة ويحافظ على حقوقهم، بالتوازي مع استعادة الدولة لسيادتها ووحدة مؤسساتها.










