أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينج على ضرورة حل كافة الصراعات الإقليمية والدولية بالوسائل السلمية، مشددين على أن البلدين يشتركان في أهداف استراتيجية راسخة تتمثل في الحفاظ على النظام الدولي وقواعده الحاكمة.
جاءت هذه التصريحات البارزة في مقالين مشتركين نشرهما الزعيمان في صحيفة “الأهرام” المصرية ووكالة أنباء “الشرق الأوسط”، وذلك قبيل بدء زيارة الرئيس الصيني المرتقبة إلى العاصمة المصرية القاهرة.
واستعرض الرئيسان عبر هذه المقالات مسيرة العلاقات الثنائية المتينة على مدار سبعين عاماً مضت، وصولاً إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تجمع بين البلدين الصديقين وتفتح آفاقاً واسعة للتعاون المستقبلي.
وأشار الرئيس السيسي إلى أن مصر اضطلعت بدورها التاريخي والإقليمي والدولي طوال العقود الماضية، مع التمسك الثابت بمبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي والنظام الدولي القائم على القواعد، وحرصها الدائم على دعم المنظمات الدولية للقيام بدورها الأصيل في حفظ وحماية الأمن والسلم الدوليين.
وأوضح أن هذه السياسات تنبع من إيمان راسخ بضرورة إرساء دعائم الاستقرار الإقليمي والعالمي من خلال الحوار والتعاون متعدد الأطراف.
الاتزان الاستراتيجي وتعزيز دور الجنوب العالمي
وفي سياق متصل بسياسة مصر الخارجية، لفت الرئيس السيسي إلى انضمام مصر رسمياً إلى تجمع “البريكس” في عام 2024، وكذا بنك التنمية الجديد التابع له، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، فضلاً عن انضمامها كشريك حوار لمنظمة شنغهاي للتعاون. وأكد أن هذه الخطوات الاستراتيجية جاءت انطلاقاً من حرص القاهرة على تعزيز حوار الجنوب والجنوب، والانفتاح على شراكات واسعة ومتنوعة مع كافة دول العالم دون استثناء.
وأضاف السيسي أن مصر تمسكت بقوة بسياسة الاتزان الاستراتيجي كوجهة أساسية لسياساتها الخارجية في وقت تتصاعد فيه موجات الاستقطاب والتنافس الدولي، مؤكدة على استقلالية قرارها وداعيةً لتنسيق جهود المجتمع الدولي للتغلب على التحديات العالمية المتسارعة التي باتت تهدد البشرية جمعاء. وتابع موضحاً أن مصر والصين أصبحتا شريكين فاعلين يسهمان سوياً في تعزيز دور الجنوب العالمي في هيكل النظام الدولي، وبما يحقق مزيداً من العدل والإنصاف للدول النامية وشعوبها التواقة للتنمية.
الدبلوماسية المصرية والدعوة الملحة للحلول السلمية
على صعيد الأزمات الإقليمية، ذكر الرئيس السيسي أن مصر بذلت جهوداً دبلوماسية حثيثة ومكثفة من أجل تهدئة الأوضاع الملتهبة في منطقة الشرق الأوسط، ومنع تصعيد الصراعات واتساع رقعتها الجغرافية. ونبه إلى أن المنطقة تمر حالياً بمرحلة بالغة الخطورة والدقة من الصراعات التي تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي، بل وتطال تداعياتها السلبية السلم والأمن الدوليين بأسرهما.
وشدد السيسي على أن القاهرة وبكين تتفقان تماماً على ضرورة حل الصراعات حصرياً بالوسائل السلمية، مع ضرورة مراعاة الشواغل الأمنية لكافة الأطراف المعنية والاحترام التام لسيادة الدول ووحدتها كأساس لا غنى عنه للتسوية السلمية المستدامة للصراعات. ونبه بوضوح إلى أنه ليس من مصلحة أي أطراف إقليمية أو دولية اتساع رقعة الصراع وتأجيج نيران النزاع المسلح في المنطقة.
طفرة اقتصادية ومشروعات قومية كبرى ومسارات تعاون مستقبلية
من جانبه، استعرض الرئيس المصري تطور علاقات البلدين على مدار سبعة عقود، وصولاً إلى إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة في عام 2014 خلال أول زيارة رسمية له إلى بكين. ولفت إلى أن مصر تمسكت على الدوام بمبدأ “الصين الواحدة”، ورفضت أي تدخل في الشؤون الداخلية للصين، وساندت بقوة استعادة الصين لمقعدها الدائم بمجلس الأمن الدولي، مشيداً في الوقت ذاته بموقف الصين الداعم دائماً للحقوق العربية ولحلق الشعب الفلسطيني العادل في إقامة دولته المستقلة.
وأوضح السيسي أن الشراكة الاستراتيجية حققت طفرة نوعية في العلاقات الثنائية؛ حيث أصبحت الصين شريكاً تجارياً واقتصاديًا رئيسياً لمصر مع تزايد حجم الاستثمارات الصينية المباشرة، لا سيما في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وأشار إلى مساهمة الشركات الصينية الفعالة في مشروعات قومية كبرى مثل بناء حي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة، وتدشين القطار الكهربائي للعاشر من رمضان، وإنشاء محطات الطاقة المتجددة وتطوير الموانئ البحرية.
وأكد السيسي تطلع مصر للتكامل بين استراتيجية توطين الصناعة المحلية واستراتيجية الصين للتنمية عالية الجودة، لجذب مزيد من الصناعات المتقدمة مثل السيارات الكهربائية، وبطاريات التخزين، والطاقة المتجددة، ومكونات محطات تحلية المياه، وبناء السفن، فضلاً عن تعزيز نقل التكنولوجيا في مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء.
الرؤية الصينية: أساس متين وحماية للنظام الدولي وتعددية الأطراف
من جانبه، أكد الرئيس الصيني شي جين بينج في مقاله المنشور عبر وكالة أنباء “الشرق الأوسط” أن البلدين أرسيا أساساً متيناً لتطوير علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة. واعتبر أن مصر تُعد شريكاً تجارياً واستثمارياً حيوياً وماهماً للصين في العالم العربي وقارة إفريقيا، مشيداً بكونها من أوائل الدول التي شاركت بفاعلية في مبادرة “الحزام والطريق”.
ونوه بدور منطقة السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري في جلب استثمارات ضخمة وتوفير فرص عمل واسعة، لافتاً إلى إنجاز الشركات الصينية لأعلى مبنى وأول قطار كهربائي في القارة الإفريقية، مما جعل العلاقات نموذجاً ناجحاً للصداقة والمنفعة المتبادلة.
وشدد الرئيس الصيني على أن بلاده ومصر تجمعهما أهداف ومساعٍ مشتركة للحفاظ على النظام الدولي، والدعوة الراسخة للإنصاف والعدالة، وتطبيق تعددية الأطراف الحقيقية.
وأضاف أن الجانبين يدعمان بثبات القضية العادلة للشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه المشروعة، ويسعيان لإيجاد حلول سياسية عادلة للقضايا الساخنة وتحقيق السلام والاستقرار، مما يجسد مسؤوليتهما كقوتين أساسيتين من دول الجنوب العالمي. واختتم بالتأكيد على ضرورة المضي قدماً كتفاً بكتف لمواجهة التحولات والاضطرابات الدولية المتسارعة غير المسبوقة منذ قرن من الزمان.











