طرابلس – المنشر_الاخباري
دخلت ليبيا مرحلة سياسية جديدة بعد توقيع اتفاق لجنة الحوار المصغرة «4+4» برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في خطوة تستهدف كسر الجمود السياسي الممتد منذ سنوات، وتهيئة الطريق أمام إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة.
وجاء توقيع الاتفاق في العاصمة طرابلس في 30 أغسطس/آب، عقب أشهر من المفاوضات بين ممثلين عن الأطراف الرئيسية في شرق البلاد وغربها، في محاولة لمعالجة الملفات التي عطلت إجراء الانتخابات منذ انهيار الاستحقاق الانتخابي المقرر في ديسمبر/كانون الأول 2021.
طريق جديد نحو الانتخابات
ويضع الاتفاق الانتخابات الرئاسية والتشريعية في مقدمة أهداف المرحلة المقبلة، مع اشتراط إجرائها في إطار سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، على ألا تتجاوز الفترة اللازمة للوصول إلى الاستحقاق الانتخابي 24 شهراً.
كما ينص على العمل، بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة، لإيجاد آلية بديلة إذا تعذر تنظيم الانتخابات ضمن المهلة المحددة، بما يمنع بقاء العملية السياسية مفتوحة أمام التأجيلات المتكررة.
ويرتبط تنفيذ الاتفاق أيضاً بمدى قدرة المؤسسات الليبية على اعتماد مخرجاته وتحويلها إلى إطار قانوني قابل للتنفيذ، وهي النقطة التي قد تشكل الاختبار الأصعب أمام المسار الجديد.
إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات
ومن أبرز بنود الاتفاق إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، باعتبارها الجهة المسؤولة عن إدارة الاستحقاقات الانتخابية.
ويتضمن الاتفاق تعيين ضو إبراهيم عطية رئيساً للمفوضية، وسناء الليشاني نائبة له، إلى جانب أعضاء آخرين يمثلون المؤسسات السياسية المختلفة، في محاولة لإعادة بناء الثقة في الجهة المشرفة على الانتخابات.
وتأتي هذه الخطوة في ظل خلافات سابقة حول تركيبة المفوضية وآليات اختيار أعضائها، وهي خلافات كانت جزءاً من الأزمة التي أحاطت بالانتخابات السابقة.
تعديلات على قواعد الترشح
ويتناول الاتفاق كذلك عدداً من أكثر الملفات إثارة للجدل في قوانين الانتخابات، ومن بينها شروط ترشح العسكريين وحاملي الجنسيات المزدوجة.
ويسمح الإطار الجديد لحاملي الجنسية المزدوجة بالترشح للرئاسة، على أن يتخلى الفائز عن جنسيته غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية. كما يتيح للعسكريين المشاركة في الانتخابات كناخبين ومرشحين وفق الضوابط المنصوص عليها في الاتفاق والقوانين ذات الصلة.
وتُعد هذه التعديلات من الملفات الحساسة، نظراً إلى ارتباطها المباشر بأسماء وشخصيات سياسية وعسكرية بارزة في المشهد الليبي.
مهلة شهر أمام المؤسسات التشريعية
ولا يكتفي الاتفاق بتحديد موعد أقصى للانتخابات، بل يمنح مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة مهلة شهر واحد لإقرار الوثيقة بصيغتها الموقعة.
وفي حال عدم اعتمادها، ينص الاتفاق على العمل مع بعثة الأمم المتحدة للوصول إلى آلية وطنية أوسع لاعتمادها، مع السعي إلى توفير دعم دولي لها عبر مجلس الأمن، وفق ما أوردته مصادر ليبية بشأن نص الاتفاق.
وهنا تبرز واحدة من أهم العقبات، إذ إن توقيع الاتفاق من جانب الأطراف المشاركة لا يعني بالضرورة حصوله على إجماع جميع المؤسسات السياسية الليبية.
اعتراضات وتحفظات
ورغم الترحيب الدولي بالخطوة، لم يحظ اتفاق «4+4» بإجماع داخلي كامل. فقد قاطع رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مراسم التوقيع، فيما انتقد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الإجراءات التي رافقت المسار، وسط مخاوف من تجاوز المؤسسات القائمة وآليات الحوار السابقة.
كما أثار الاتفاق تساؤلات حول مدى شرعيته المؤسسية، خصوصاً أن المجلس الأعلى للدولة يرى أن بعض الملفات الانتخابية سبق أن نوقشت ضمن لجنة «6+6» المشتركة مع مجلس النواب، وأن أي تعديلات على القوانين الانتخابية تحتاج إلى المرور عبر المؤسسات المختصة.
في المقابل، رحب رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بالمساعي الرامية إلى إنهاء الانقسام، لكنه شدد على ضرورة أن تكون أي ترتيبات جديدة منسجمة مع الإعلان الدستوري والقوانين القائمة، بما يحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها.
توحيد السلطة.. العقدة الأكبر
ويرى مراقبون أن الاتفاق نجح في تحقيق اختراق سياسي مهم، لكنه لا يمثل تسوية نهائية للأزمة الليبية، إذ ما زالت مسألة توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية، ولا سيما الأجهزة العسكرية والأمنية، من أكثر الملفات تعقيداً.
وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين سلطات ومراكز نفوذ متنافسة في الشرق والغرب، فيما فشلت مبادرات سابقة في الوصول إلى انتخابات وطنية شاملة بسبب الخلافات حول القوانين الانتخابية وشروط الترشح وتوزيع الصلاحيات.
وتكمن أهمية اتفاق «4+4» في أنه يجمع ممثلين عن الأطراف الفاعلة على الأرض، بما في ذلك حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب والقيادة العامة في الشرق، وهو ما تعتبره الأمم المتحدة خطوة مهمة لدفع العملية السياسية إلى الأمام.
اختبار التنفيذ
وتبقى المهلة البالغة 24 شهراً التحدي الأكبر أمام الاتفاق، إذ يتطلب الوصول إلى الانتخابات سلسلة من الإجراءات السياسية والقانونية والمؤسسية، تبدأ بإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات ومعالجة القوانين المنظمة للاستحقاق، ولا تنتهي بتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات الوطنية.
ورحبت بعثة الأمم المتحدة بالاتفاق باعتباره «خطوة مهمة» نحو استكمال خارطة الطريق السياسية وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات وطنية، لكنها أكدت عملياً أن التوقيع يمثل بداية لمسار التنفيذ وليس نهاية الأزمة.
وبذلك، تراهن ليبيا على «4+4» لفتح الطريق أمام انتخابات طال انتظارها وإنهاء مرحلة الانقسام، لكن نجاح الاتفاق سيبقى مرهوناً بقدرة الأطراف على تجاوز الخلافات المؤسسية، واعتماد مخرجاته، وتوحيد مؤسسات الدولة، والأهم الالتزام فعلياً بإجراء الانتخابات خلال المهلة المحددة.








