عاد ت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، فرع تنظيم القاعدة في منطقة الساحل الإفريقي، ليكثف من ضغوطاته وتحركاته العسكرية في محيط العاصمة المالية باماكو من خلال عمليات جديدة أثارت مخاوف أمنية واسعة.
وتزامناً مع هذا التصعيد، برز إلى واجهة الأحداث مجدداً القيادي موسى نابي ديارا، المعروف حركياً باسم “أبو حذيفة البمباري”، والذي يُعد أحد أبرز الأبواق الدعائية للتنظيم وأذرعه الإعلامية في جنوب وغرب البلاد.
من عامل طلاء إلى “غوبلز” التنظيم
ينحدر أبو حذيفة من قرية مانغولا الواقعة في دائرة كاتي ضمن إقليم كوليكورو، وهو الحزام الحيوي المحيط بباماكو. وتشير المعطيات إلى أنه لم يتلقَّ دراسة دينية نظامية مخصصة أو يخضع لتدريبات عسكرية خارجية، حيث بدأ حياته المهنية عاملاً بسيطاً في قطاع الطلاء والإنشاءات.
ومع مرور الوقت، صعد تدريجياً داخل الهيكل التنظيمي ليصبح المتحدث الرسمي باسم الجماعة في قواطع الجنوب والغرب.
وقد اشتدت ظاهرة أبو حذيفة الإعلامية خلال أزمة الطرق المؤدية إلى باماكو وأزمة الوقود التي شهدتها البلاد في عام 2025، لتتطور أدواته لاحقاً خلال عام 2026 وتصبح صوتاً رئيسياً يطلق التهديدات والإنذارات الموجهة للسكان والسلطة الحاكمة، مستخدماً الدعاية كسلاح حرب نفسية فعال.
الاختراق الإثني وأهمية البمباري الاستراتيجية
لا تكمن خطورة أبو حذيفة الحقيقية في رتبته العسكرية أو القيادية المباشرة، بل في هويته وانتمائه الاجتماعي. فهو ينتمي إلى عرقية “البمباري” المنتشرة في جنوب مالي، ويتحدث لغتهم التي تُعد اللغة الأكثر تداولا وتأثيراً في العاصمة باماكو ومحيطها.
طوال سنوات الصراع والتمرد، ظل الوعي الجمعي في مالي يربط الحركات المسلحة والتنظيمات الإرهابية بسكان الشمال من طوارق وعرب، أو بفولاني الوسط. وقد استغلت السلطات الرسمية هذا الانطباع سابقاً لتصوير التهديد على أنه قادم من أطراف بعيدة عن قلب الدولة الجنوبي. ولهذا السبب، فإن وجود متحدث باسم القاعدة يتحدث بلغة البمباري يمنح التنظيم أداة خطيرة لاختراق الحواجز الإثنية واللغوية التي طالما شكلت درعاً وقائياً يحمي الجنوب المالي.
حرب مضادة وضغوط عسيرة على محيطه
أفرز هذا الحضور الإعلامي المؤرق استنكاراً وحرباً مضادة من قبل السلطات والمنصات الرقمية المقربة من الاستخبارات المالية؛ إذ عمدت إلى النيل من رمزيته عبر نبش تفاصيل حياته العائلية، وإبراز روايات حول نزاعات قديمة على مشيخة قرية مانغولا في عام 2021 لتقديمه بصورة الشخص المدفوع بثأر شخصي لا بتحول أيديولوجي عميق.
وامتدت تبعات المواجهة لتوثيق اختفاء واحتجاز عدد من أقاربه، من بينهم شقيقه ووالده المسن، وسط إدانات حقوقية دولية.
وفي النهاية، يجسد أبو حذيفة مفارقة مقلقة لدوائر صنع القرار في باماكو؛ فعامل الدهان البسيط الذي تحول إلى صوت دعائي لتنظيم القاعدة يمثل اليوم صداعاً أمنياً وإعلامياً حقيقياً، وخطراً استراتيجياً إذا نجح التنظيم في تحويل هذا الاختراق اللغوي إلى موجة تجنيد أوسع داخل النسيج الاجتماعي لجنوب البلاد.









