صنعاء- المنشر_الاخباري
تشهد الحرب في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع انتقال الحوثيين من تنفيذ هجمات متفرقة إلى الجمع بين التقدم البري والضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة واستهداف خطوط الإمداد ومراكز القيادة التابعة للقوات المدعومة من السعودية.
وتتركز التطورات الأبرز على الساحل الغربي ومحور تعز–المخا، في وقت تحاول فيه القوات المدعومة سعوديًا احتواء التقدم الحوثي ومنع وصوله إلى مناطق أكثر حساسية قرب مضيق باب المندب.
وتكتسب مدينة المخا أهمية خاصة في هذه المعادلة، بسبب موقعها على البحر الأحمر وقربها من باب المندب، فيما يمثل الطريق الرابط بينها وبين تعز أحد أهم خطوط الإمداد للقوات الحكومية والقوات المتحالفة معها.
وبحسب الرواية التي قدمها الإعلام العسكري الحوثي، فإن العمليات الأخيرة تستهدف قطع الطرق والتقاطعات التي تعتمد عليها القوات المدعومة من السعودية في نقل التعزيزات والوقود والمعدات، بدلًا من محاولة السيطرة على كل المناطق الواقعة في جنوب غربي اليمن.
ويأتي ذلك في وقت أكدت فيه تقارير دولية أن الحوثيين حققوا تقدمًا كبيرًا على الساحل الغربي، وسيطروا على مدينة المخا ومناطق قريبة من باب المندب، بينما تعيد القوات الحكومية المدعومة سعوديًا تنظيم صفوفها بعد خسائر ميدانية كبيرة.
ضربة وديعة.. استهداف قوافل الإمداد
ومن أبرز العمليات التي يسلط عليها الحوثيون الضوء ضربة قالوا إنها استهدفت قوافل عسكرية وإمدادات قرب منفذ الوديعة الحدودي بين السعودية واليمن.
ويُظهر التسجيل الذي نشره الإعلام العسكري الحوثي، بحسب روايته، شاحنات منتشرة في مواقع متفرقة قبل تعرضها لهجمات صاروخية، أعقبتها حرائق وانفجارات متتالية.
ويقول الحوثيون إن العملية اعتمدت على مراقبة مستمرة بواسطة طائرة مسيّرة، ما سمح بتتبع القافلة وتحديد أهدافها قبل تنفيذ الضربة.
وتشير هذه الرواية، إذا صحت تفاصيلها، إلى اعتماد متزايد على منظومة تجمع بين الاستطلاع الجوي والمراقبة المستمرة وتحديد الأهداف ثم تنفيذ الضربات، وهي قدرة يمكن أن تزيد من صعوبة تحرك القوافل العسكرية والإمدادات في المناطق القريبة من الحدود.
لكن تفاصيل العملية وحجم الخسائر التي لحقت بالقافلة لم تُتحقق منها بشكل مستقل.
استهداف مراكز القيادة
ولم تقتصر الضربات التي أعلن عنها الحوثيون على القوافل والإمدادات، إذ تحدثت الجماعة عن هجوم صاروخي استهدف اجتماعًا لقادة من القوات المدعومة سعوديًا.
وتكمن أهمية هذا النوع من الهجمات، بحسب الرواية الحوثية، في استهداف مراكز اتخاذ القرار بدلًا من المنشآت الثابتة، وهو ما يتطلب تحديد موقع الهدف في وقت قصير وتنفيذ الضربة خلال نافذة زمنية محدودة.
ويرى الحوثيون أن الجمع بين ضرب خطوط الإمداد واستهداف القيادات يمكن أن يفرض ضغوطًا متزامنة على القوات المنافسة، عبر تعطيل قدرتها على نقل القوات والمعدات من جهة، وإرباك عملية القيادة والسيطرة من جهة أخرى.
السعودية تحت ضغط الهجمات الحوثية
وتزامن التصعيد البري مع زيادة الهجمات الحوثية على جنوب السعودية.
ففي 8 سبتمبر، شنت الجماعة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على عدة مدن ومنشآت في جنوب المملكة، بينها مواقع تابعة لشركة أرامكو وقاعدة عسكرية في خميس مشيط، وقالت السلطات السعودية إن الهجمات أسفرت عن إصابة 73 شخصًا وتسببت في حرائق واضطرابات مؤقتة في بعض المنشآت.
وأعلن الحوثيون أن تلك الهجمات جاءت ردًا على الغارات السعودية في اليمن، بينما وصفت الرياض التصعيد بأنه تهديد خطير وتعهدت بالرد.
وتشير هذه التطورات إلى تحول تدريجي في طبيعة المواجهة، إذ لم يعد القتال محصورًا في خطوط الجبهة داخل اليمن، بل بات يمتد إلى المنشآت العسكرية والاقتصادية في جنوب السعودية.
أرامكو وقواعد جوية في دائرة الاستهداف
وفي أحدث بياناتهم، قال الحوثيون إنهم نفذوا هجمات واسعة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد منشآت مرتبطة بأرامكو وقواعد عسكرية في جنوب السعودية.
وتقول الجماعة إن أهدافها شملت منشآت في أبها وجازان ونجران وقاعدة خميس مشيط، وإن الضربات جاءت ردًا على العمليات الجوية السعودية.
وأكدت مصادر مستقلة أن هجمات 8 سبتمبر أصابت أو أثرت في عدد من منشآت الطاقة السعودية، بينها منشآت تابعة لأرامكو، وتسببت في حرائق وتعليق مؤقت لبعض العمليات.
لكن حجم الأضرار الدقيقة التي لحقت بكل منشأة، ومدى تأثير الضربات على القدرات العسكرية والاقتصادية السعودية، لا يزال محل تقييم.
باب المندب يدخل قلب المعركة
وتزداد أهمية التصعيد بسبب اقتراب العمليات الحوثية من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن.
وقد أدى التقدم الحوثي على الساحل الغربي إلى زيادة المخاوف بشأن سلامة الملاحة في المنطقة، خصوصًا بعد سيطرة الجماعة على المخا وتقدمها باتجاه مواقع قريبة من المضيق.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه منطقة الخليج اضطرابات واسعة بسبب الحرب في مضيق هرمز، ما يجعل أي تهديد إضافي للملاحة في باب المندب أكثر تأثيرًا على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وحذرت تقارير حديثة من أن تزامن الاضطرابات في هرمز مع التطورات حول باب المندب يخلق ضغطًا مزدوجًا على حركة ناقلات النفط والسفن التجارية، خصوصًا مع ارتفاع أسعار النفط وتراجع حركة الشحن في بعض الممرات الرئيسية.
معركة جديدة بتكلفة أعلى
وتكشف التطورات الأخيرة عن تغير في شكل الحرب اليمنية، بعدما باتت الضربات الحوثية تستهدف، وفق ما تعلنه الجماعة، ثلاثة مستويات في وقت واحد: خطوط الإمداد، ومراكز القيادة، والمنشآت العسكرية والاقتصادية في السعودية.
وفي المقابل، تواصل السعودية تكثيف غاراتها على مناطق خاضعة للحوثيين في محاولة لوقف تقدمهم على الساحل الغربي ومنعهم من تثبيت مواقعهم قرب باب المندب.
وبين التقدم البري والضربات بعيدة المدى، تتجه الحرب إلى مرحلة أكثر خطورة، إذ أصبح أي توسع جديد للحوثيين على ساحل البحر الأحمر قادرًا على تغيير الحسابات العسكرية، ليس داخل اليمن فقط، وإنما في أمن الملاحة والطاقة على مستوى المنطقة.
ومع استمرار المواجهة، تبدو المعادلة الجديدة واضحة: كلما اتسع نطاق العمليات البرية للحوثيين، زادت قدرتهم على تهديد خطوط الإمداد والمواقع الاستراتيجية، وكلما اتسعت الضربات السعودية، ارتفع خطر انتقال الرد إلى عمق المملكة واستهداف منشآت أكثر حساسية.











